خطاب العرش التشريعي يضع الحكومة أمام اختبار التنمية والعدالة المجالية وإعادة بناء الثقة

استراتيجيات جديدة للأمن الاقتصادي وتسريع الجهوية المتقدمة ومراجعة نموذج التعاون في الهجرة.. أولويات ترسم ملامح المرحلة المقبلة

وضع الملك محمد السادس، في الخطاب الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، مجموعة من الأولويات الاستراتيجية أمام الحكومة والبرلمان، تجمع بين تعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة، وتسريع الإصلاحات الترابية، وتوسيع فرص الإدماج الاجتماعي، إلى جانب إعادة صياغة مقاربة التعاون الدولي في مجال الهجرة.
ويعكس الخطاب توجهاً نحو الانتقال من منطق إعلان الاستراتيجيات وإطلاق المشاريع إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بفعالية التنفيذ، وقياس الأثر المباشر للسياسات العمومية على حياة المواطنين، في سياق تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع فيه المطالب بتحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق بين الجهات.
الأمن الاقتصادي في صدارة الأولويات
على المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، إلى جانب دعم الإقلاع الصناعي وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع تسريع إنجاز المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية.
وتكشف هذه الأولويات عن توجه يروم تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الدولية، وتقليص الارتهان للخارج في القطاعات الحيوية، وتحويل التحولات التكنولوجية والاقتصادية العالمية إلى فرص للاستثمار والإنتاج وخلق الثروة.
غير أن الرهان لا يتعلق فقط بتوسيع الاستثمارات أو إطلاق مشاريع جديدة، بل بمدى قدرة هذه التوجهات على إحداث تحول ملموس في بنية الاقتصاد الوطني، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز فرص الشغل المستدام، وضمان توزيع أكثر توازناً لعوائد النمو.
وفي هذا السياق، شدد الخطاب على أهمية تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية من خلال الاستثمار والابتكار والتصدير. وهو توجه يضع المقاولة الوطنية أمام مسؤولية المساهمة في تعزيز التنافسية الاقتصادية، مع ربط المبادرة الاستثمارية بأهداف التنمية الشاملة.
الشباب والعدالة الاجتماعية.. معيار لنجاعة السياسات العمومية
لم يفصل الخطاب بين رهانات النمو الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية، بل وضع قضايا الشباب في صدارة الأولويات، من خلال الدعوة إلى ضمان تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، وتعزيز الثقة في إمكانات الارتقاء الاجتماعي.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من كون إدماج الشباب لا يرتبط فقط بتوفير فرص العمل، وإنما يتطلب أيضاً تطوير منظومة التعليم والتكوين، وتحسين شروط الولوج إلى الفرص الاقتصادية، وتقليص الفجوة بين المؤهلات التي ينتجها النظام التعليمي وحاجيات سوق الشغل.
ويطرح هذا التوجه تحدياً عملياً أمام السياسات العمومية، يتمثل في تحويل الالتزامات المعلنة إلى برامج قابلة للقياس والتقييم، تضمن وصول آثار التنمية إلى الفئات والمناطق أهالتي تعاني من محدودية الفرص والخدمات.
وبذلك، يصبح نجاح النموذج التنموي مرتبطاً بقدرته على الجمع بين التنافسية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي، بدل الاكتفاء بمؤشرات الاستثمار والنمو دون انعكاس كافٍ على ظروف عيش المواطنين.
الجهوية المتقدمة أمام امتحان التنفيذ
وفي الشق الترابي، أعاد الخطاب التأكيد على مركزية العمل الميداني في معالجة الاختلالات التنموية، داعياً إلى الوقوف على المشكلات الفعلية لكل منطقة، وصياغة حلول تستجيب لخصوصياتها واحتياجات سكانها.
كما وجه انتقادات واضحة إلى استمرار التأخر في تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، معتبراً أن الاختلالات المرتبطة بهذا الورش تعرقل تنفيذ البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين.
وتبرز أهمية هذا الجانب في أن نقل الاختصاصات من المركز إلى الجهات لا يمكن أن يحقق أهدافه بمجرد إقرار النصوص أو الإعلان عن الإصلاحات، بل يحتاج إلى نقل فعلي للصلاحيات والموارد البشرية والمالية، وإلى توضيح المسؤوليات بين مختلف مستويات الإدارة الترابية.
ومن هذا المنطلق، شدد الملك على ضرورة التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، وإزالة العراقيل التي تواجه مؤسسات الجهات، وتعزيز إمكاناتها المادية والبشرية، مع إرساء آليات للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات.
ويضع هذا التوجه الإدارة العمومية أمام اختبار أساسي: الانتقال من التدبير المركزي للملفات التنموية إلى نموذج يمنح الفاعلين الترابيين قدرة أكبر على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع، مع إخضاع الأداء للمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج.
الشراكة مع إسبانيا والهجرة.. نحو إعادة ضبط قواعد التعاون
على مستوى السياسة الخارجية، أكد الخطاب مكانة المغرب كشريك دولي مسؤول وموثوق، مبرزاً أن الوفاء بالالتزامات يجب أن يقابله احترام متبادل من الشركاء.
وفي هذا الإطار، أثار الملك الحاجة إلى مراجعة نموذج التعاون القائم في مجال الهجرة، معتبراً أن الأزمات المتكررة أظهرت محدودية المقاربة الحالية وضرورة تطويرها بما يتلاءم مع التحولات والتحديات الجديدة.
وتوقف الخطاب عند الشراكة مع إسبانيا، مشيراً إلى الإكراهات المرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية المتعلقة بترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وفق ما ورد في الخطاب، وما يترتب عن ذلك من صعوبات في تدبير ملفات الهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية.
وتحمل هذه الرسائل دلالة سياسية تتجاوز التدبير التقني للهجرة، إذ تعكس توجهاً نحو إعادة تحديد شروط التعاون الدولي على أساس تقاسم المسؤوليات والمصالح، وعدم تحميل طرف واحد أعباء ملفات ذات امتدادات إقليمية ودولية.
كما أكد الملك أن الشراكة الدولية اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست مجالاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز، معلناً عزم المغرب تقديم وثيقة استراتيجية لشركائه ترسم توجهاً جديداً للتعاون، يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ويشير هذا التوجه إلى رغبة في الانتقال من تدبير الأزمات الظرفية إلى بناء إطار تعاون أكثر وضوحاً واستدامة، يربط الالتزامات الأمنية والميدانية بأهداف اقتصادية وتنموية أوسع.
البرلمان والحكومة أمام مسؤولية تحويل التوجيهات إلى نتائج
في ختام الخطاب، وجه الملك رسالة واضحة إلى أعضاء البرلمان، مؤكداً أن الانتداب البرلماني لا يقتصر على التفويض الانتخابي، بل يمثل التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه المواطنين.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل التحديات المطروحة على المؤسسة التشريعية والحكومة، سواء تعلق الأمر بتحسين جودة الخدمات العمومية، أو توسيع فرص الشغل، أو تقليص التفاوتات المجالية، أو تسريع الإصلاحات الإدارية والاقتصادية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في تعدد الاستراتيجيات والبرامج، وإنما في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى نتائج ملموسة، وفق أهداف واضحة وآجال محددة وآليات فعالة للتتبع والتقييم.
كما أن إعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات تظل مرتبطة بمدى الاستجابة للانتظارات اليومية، وبقدرة المنتخبين والمسؤولين على الانتقال من الخطاب السياسي إلى الممارسة الميدانية، ومن الوعود العامة إلى الإنجاز القابل للمساءلة.
مرحلة جديدة تختبر فعالية الدولة
يضع الخطاب الملكي، في المحصلة، مجموعة من الملفات المترابطة أمام الفاعلين الحكوميين والتشريعيين، من تعزيز السيادة الاقتصادية إلى إصلاح الإدارة الترابية، مروراً بإدماج الشباب وتطوير الشراكات الدولية.
وتكمن دلالة هذه الأولويات في تأكيد أن التنمية لا تقاس بحجم المشاريع المعلنة وحدها، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتوسيع قاعدة الفرص، وتحقيق التوازن بين الجهات، وتعزيز مناعة الاقتصاد الوطني أمام التحولات الخارجية.
وبين الطموح الاستراتيجي ومتطلبات التنفيذ، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لمدى قدرة المؤسسات على تجاوز بطء الإصلاحات وتشتت المسؤوليات، وإرساء حكامة أكثر نجاعة وربط السياسات العمومية بنتائج قابلة للقياس.
فالتحدي الأساسي الذي يطرحه الخطاب يتمثل في تحويل التوجيهات إلى التزامات عملية، تترجمها برامج ممولة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ومحاسبة واضحة على النتائج؛ بما يجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية مساراً ملموساً في حياة المواطنين، لا مجرد هدف مؤجل في الوثائق الرسمية.




