قضايا و آراء

الداحا امبيريك يفكك خلفيات الموقف الموريتاني من قضية الصحراء في رده على توفيق بوعشرين: قراءة تاريخية ووثائقية في إشكالية الحدود والسيادة

محمد سالم الشافعي

أعاد الرد الذي نشره الداحا امبيريك على مقال الصحفي المغربي توفيق بوعشرين بشأن الموقف الموريتاني من قضية الصحراء طرح جملة من الإشكالات التاريخية والجغرافية والقانونية المرتبطة بطبيعة حضور موريتانيا في هذا النزاع، وحدود دورها الإقليمي، والخلفيات التي تحكم سياستها تجاه التطورات المرتبطة بالمنطقة.

ولا يقتصر هذا السجال على اختلاف وجهات النظر بشأن الموقف السياسي لنواكشوط، بل يمتد إلى كيفية قراءة الوقائع التاريخية التي أعقبت انسحاب إسبانيا من الصحراء، والاتفاقيات التي أُبرمت خلال تلك المرحلة، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين الاعتبارات الأمنية الموريتانية ومسألة الحدود والسيادة الإقليمية.

وفي رده، اعتبر امبيريك أن تناول هذه القضايا يقتضي تجاوز المقاربات الاختزالية، والعودة إلى الوثائق التاريخية والمراسلات الدبلوماسية التي توضح مواقف الأطراف خلال المراحل المفصلية للنزاع، مشيراً إلى أن المكانة المهنية التي يتمتع بها بوعشرين تفرض، في تقديره، التدقيق في المعطيات التي يقدمها للرأي العام.

أولاً: الكويرة وشبه جزيرة الرأس الأبيض.. التاريخ والجغرافيا في تفسير الموقف الموريتاني

شكّلت منطقة الكويرة إحدى النقاط المركزية في رد امبيريك، الذي اعترض على توصيفها باعتبارها مجرد منطقة ذات أهمية اقتصادية للموريتانيين بسبب قربها من ميناء نواذيبو، معتبراً أن فهم وضعها يقتضي استحضار الامتدادات الجغرافية لشبه جزيرة الرأس الأبيض وتاريخها الاستعماري.

وتكتسب المنطقة أهميتها من موقعها عند الطرف الجنوبي للصحراء، بالقرب من مدينة نواذيبو والمرافق المينائية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي الموريتاني. كما أن تاريخ شبه الجزيرة ارتبط بالترتيبات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية التي أسهمت في تشكيل الحدود ومجالات النفوذ في المنطقة.

ويرى امبيريك أن تجاهل هذه الخلفية يؤدي إلى اختزال قضية مركبة في اعتبارات اقتصادية أو عسكرية آنية، في حين أن تفسير الموقف الموريتاني يستلزم التمييز بين الوضع الجغرافي للمنطقة، وتاريخ إدارتها، والاعتبارات الأمنية المرتبطة بها.

غير أن توصيف الوضع القانوني للكويرة، أو تحديد طبيعة أي تفاهمات بشأنها، يظل مرتبطاً بالأدلة الوثائقية ذات الصلة، ولا يكفي فيه الاستناد إلى الروايات السياسية وحدها.

ثانياً: انسحاب موريتانيا سنة 1979.. ما الذي تقوله الوثائق الأممية؟

تُعد سنة 1979 محطة مفصلية في تطور الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، إذ وقّعت موريتانيا وجبهة البوليساريو اتفاق الجزائر في 10 غشت من السنة نفسها، في سياق إنهاء مشاركة نواكشوط في النزاع.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة عند تقييم الادعاءات المتعلقة بالسياسة الموريتانية تجاه الإقليم، بالنظر إلى أن الموقف الرسمي لموريتانيا لم يقتصر على إعلان الانسحاب، بل جرى توثيقه في مراسلة دبلوماسية موجهة إلى الأمم المتحدة.

ففي رسالة مؤرخة في 18 أغسطس 1979، وجّهها الممثل الدائم لموريتانيا لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام، وأُدرجت ضمن الوثيقتين الأمميتين A/34/427 وS/13503، أعلنت نواكشوط تخليها عن جميع مطالبها الإقليمية في الصحراء الغربية، وقرارها الانسحاب نهائياً من الحرب.

كما طلبت الحكومة الموريتانية من الأمم المتحدة أخذ اتفاق الجزائر وإعلان نواكشوط المؤرخ في 10 أغسطس 1979 بعين الاعتبار، والنظر إليهما بوصفهما أساساً لتكريس حياد موريتانيا في النزاع. وتضمنت الرسالة كذلك تأكيداً على احترام سلامة الأراضي الموريتانية داخل حدودها المحددة سنة 1960 والمعترف بها دولياً.

وتكتسي هذه الوثيقة أهمية تحليلية لأنها تقدم دليلاً مباشراً على الكيفية التي اختارت بها الدولة الموريتانية عرض موقفها الرسمي أمام المنظمة الدولية في تلك المرحلة.

وفي الوقت نفسه، تفرض القراءة الأكاديمية لهذه المراسلة التمييز بين إعلان موريتانيا التخلي عن المطالب الإقليمية في الصحراء، وبين الادعاءات المتعلقة بوجود تفاهمات أو ترتيبات خاصة بشأن الكويرة. فالرسالة المذكورة لا تثبت، في حد ذاتها، وجود اتفاق منفصل يتيح لموريتانيا الاحتفاظ بالمنطقة، كما لا يصح الاستناد إليها وحدها لإثبات حصول تفاهم ثنائي بشأن وضعها.

وهنا تبرز ضرورة إسناد أي ادعاء بشأن الكويرة إلى وثيقة محددة أو مراسلة رسمية تثبت مضمونه، مع التمييز بين الوقائع الواردة في النصوص الأممية والتفسيرات التي يقدمها أصحاب المواقف السياسية.

ثالثاً: اتفاقية الحدود الموريتانية المغربية لسنة 1976

يرتبط النقاش حول الوضع الحدودي في المنطقة أيضاً بالاتفاقية المبرمة بين موريتانيا والمغرب في الرباط بتاريخ 14 أبريل 1976، بشأن خط الحدود بين البلدين.

وتظهر بيانات مجموعة معاهدات الأمم المتحدة أن الاتفاقية سُجلت برقم 15406، وأنها دخلت حيز النفاذ في 10 نوفمبر 1976، قبل تسجيلها لدى الأمم المتحدة من الجانب الموريتاني في فبراير 1977. وتتضمن الوثائق المرجعية للاتفاقية نصاً باللغة الفرنسية وخريطة مرفقة.

وتوفر هذه الاتفاقية إطاراً وثائقياً مهماً لدراسة العلاقات الحدودية بين البلدين خلال مرحلة تقاسم إدارة أجزاء من الصحراء الإسبانية، غير أن تحديد نطاقها الجغرافي وآثارها القانونية يستلزم الرجوع إلى نصها الأصلي وخريطتها، وعدم الاكتفاء بالإحالات العامة إليها.

ومن هذا المنطلق، فإن القول إن بعض مناطق التماس ظلت خارج أي تسوية حدودية يحتاج إلى فحص قانوني دقيق لنص الاتفاقية، ومقارنتها بالاتفاقيات الاستعمارية السابقة، وبالتطورات التي أعقبت انسحاب موريتانيا من الإقليم.

وبناءً عليه، فإن الخلاف بشأن الحدود لا يمكن حسمه من خلال المواقف السياسية وحدها، بل يستدعي قراءة متكاملة للوثائق والمعاهدات والخرائط ذات الصلة.

رابعاً: الحياد الموريتاني بين مقتضيات السيادة وضغوط التنافس الإقليمي

في معرض تناوله للعلاقات الموريتانية المغربية الجزائرية، اعتبر امبيريك أن تفسير السياسة الموريتانية من منظور الاصطفاف الإقليمي لا يعكس، في تقديره، كامل الاعتبارات التي تحكم قرارات نواكشوط.

ويربط صاحب الرد هذا الموقف بالتجربة التي عاشتها موريتانيا خلال سنوات الحرب، وما ترتب عليها من أعباء سياسية وأمنية واجتماعية، معتبراً أن تفادي العودة إلى مواجهة عسكرية جديدة يمثل أحد العوامل التي تفسر حرص البلاد على الحفاظ على هامش مستقل في علاقاتها الإقليمية.

وتنسجم هذه القراءة، من حيث المبدأ، مع ما ورد في الرسالة الموريتانية إلى الأمم المتحدة في أغسطس 1979، والتي شددت على أن الانسحاب من النزاع والتخلي عن المطالب الإقليمية يهدفان إلى تكريس موقف الحياد.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إعلان الحياد في وثيقة رسمية وبين تقييم مدى تطبيقه في الممارسة السياسية خلال المراحل اللاحقة. فإثبات طبيعة السياسة الموريتانية يستلزم دراسة المواقف الدبلوماسية والقرارات الرسمية والعلاقات الثنائية في سياقاتها الزمنية المختلفة.

وعليه، فإن الحديث عن الضغوط الجزائرية أو المغربية على نواكشوط يظل بحاجة إلى أدلة محددة، ولا يكفي فيه تفسير التوازنات الإقليمية أو افتراض دوافع الأطراف من دون توثيقها.

خامساً: التمثيل الدبلوماسي للبوليساريو في نواكشوط

توقف امبيريك كذلك عند ما أورده بوعشرين بشأن وجود سفارة للبوليساريو في العاصمة الموريتانية، معتبراً أن هذه المعلومة غير دقيقة، ومشيراً إلى أن الاعتراف الموريتاني بالجمهورية الصحراوية سنة 1984 لا يعني بالضرورة إقامة سفارة لها في نواكشوط.

ويستدعي هذا الجانب التمييز بين ثلاثة مستويات قانونية ودبلوماسية مختلفة: الاعتراف بكيان سياسي، وإقامة العلاقات الدبلوماسية معه، واعتماد بعثة دبلوماسية دائمة في أراضي الدولة المعنية.

فهذه المستويات ليست مترادفة، ولا يكفي إثبات أحدها للاستنتاج التلقائي بوجود المستويات الأخرى. ولذلك يتطلب التحقق من وضع التمثيل الدبلوماسي للبوليساريو في موريتانيا الرجوع إلى البيانات الرسمية الصادرة عن السلطات الموريتانية، وإلى السجلات الدبلوماسية ذات الصلة.

وتظل هذه المسألة جزءاً من النقاش الأوسع بشأن سعي نواكشوط إلى إدارة علاقاتها مع الأطراف المعنية بالنزاع، مع المحافظة على اعتبارات السيادة والتوازن الإقليمي.

سادساً: بين السجال الصحفي والتحليل الوثائقي

يتجاوز رد الداحا امبيريك حدود الاعتراض على مقال صحفي، ليطرح إشكالية منهجية تتعلق بكيفية تناول قضية الصحراء في الخطاب الإعلامي والسياسي.

فالقضايا المرتبطة بتاريخ المنطقة وحدودها لا يمكن معالجتها من خلال استنتاجات عامة أو سرديات وطنية متقابلة فحسب، بل تحتاج إلى الجمع بين البحث التاريخي، والتحليل القانوني للاتفاقيات، ودراسة المراسلات الدبلوماسية، وفحص الخرائط والوثائق الرسمية.

كما أن الاستشهاد بالوثائق لا يكتسب قيمته من مجرد وجودها، بل من دقة قراءتها، وتحديد نطاق ما تثبته فعلياً، ومقارنتها ببقية المصادر المتاحة.

ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الموريتانية إلى الأمم المتحدة سنة 1979 تمثل وثيقة أساسية لفهم إعلان نواكشوط الانسحاب من النزاع وتبني الحياد، لكنها لا تحسم بمفردها جميع الأسئلة المتعلقة بالكويرة أو بالحدود أو بالتفاهمات الثنائية المحتملة.

وبالمثل، فإن الاتفاقية الموريتانية المغربية لسنة 1976 تشكل مرجعاً ضرورياً لدراسة الحدود، إلا أن تحديد آثارها الدقيقة يستلزم فحص النص الكامل والخريطة المرفقة، وربطهما بالسياق التاريخي الذي أُبرمت فيه الاتفاقية.

خاتمة: ضرورة إعادة قراءة ملف الصحراء على أساس الوثائق

يعكس السجال بين الداحا امبيريك وتوفيق بوعشرين اختلافاً في قراءة الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، وفي تفسير الخلفيات التاريخية والجغرافية التي تؤثر في حسابات نواكشوط.

ويؤكد هذا النقاش أهمية العودة إلى الوثائق الأصلية، وفي مقدمتها مراسلة موريتانيا إلى الأمم المتحدة في 18 أغسطس 1979، واتفاق الجزائر، واتفاقية الحدود الموريتانية المغربية لسنة 1976، باعتبارها مراجع أساسية لفهم التحولات التي عرفتها المنطقة.

غير أن الاستناد إلى هذه الوثائق يقتضي الحذر من تحميلها أكثر مما تنص عليه، والتمييز بين الوقائع الثابتة والتفسيرات السياسية، وبين إعلان موقف رسمي وإثبات تفاصيل قانونية أو حدودية بعينها.

وفي نهاية المطاف، فإن فهم الموقف الموريتاني لا يستقيم من دون وضعه في سياقه التاريخي والسياسي والقانوني، كما أن تقييم ما ورد في السجال الصحفي يظل رهيناً بمدى مطابقة الادعاءات للوثائق المرجعية. فالمعالجة المهنية لهذا الملف لا تقوم على حدة المواقف، بل على دقة الاستدلال، وسلامة التوثيق، والقدرة على الفصل بين الحقيقة التاريخية والاجتهاد السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة