قضايا و آراء

وأد السياسة في المغرب.. حين تتحول الأحزاب إلى دكاكين انتخابية

لم يعد النقاش حول أزمة السياسة في المغرب مرتبطاً فقط بتراجع منسوب الثقة في الأحزاب أو ضعف المشاركة السياسية، بل بات يتصل، على نحو أعمق، بالسؤال حول الوظيفة التي يفترض أن تؤديها الأحزاب داخل المجتمع والدولة. فعندما يتراجع حضور الأفكار والبرامج والمشاريع المجتمعية لصالح منطق المقاعد الانتخابية وشبكات النفوذ، تصبح السياسة نفسها مهددة بفقدان معناها ووظيفتها.

أرشيف

ويكشف مسار الحياة الحزبية خلال السنوات الأخيرة عن تحولات عميقة في طبيعة الفاعل السياسي. فالحزب، الذي يفترض أن يكون مدرسة لإنتاج النخب وتأطير المواطنين وتقديم البدائل، يبدو في بعض التجارب أقرب إلى أداة انتخابية هدفها الأساسي الوصول إلى المؤسسات المنتخبة ومواقع القرار.

ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام عامة على مختلف الأحزاب أو اختزال المشهد السياسي برمته في صورة واحدة، وإنما بقراءة ظاهرة أصبحت تفرض نفسها على النقاش العمومي: تراجع السياسة لصالح الانتخابات، وتراجع البرنامج لصالح الشخص، وتراجع الكفاءة السياسية أمام نفوذ المال والشبكات الاجتماعية والاقتصادية.

من مدرسة للنخب إلى سوق للمقاعد

في مراحل سابقة، ارتبط العمل الحزبي في المغرب بفكرة التأطير السياسي وصناعة النخب وبناء التوافقات. وكانت الأحزاب، رغم اختلاف مرجعياتها ومواقعها، تؤدي دوراً في إنتاج الأفكار وصياغة التصورات المتعلقة بمستقبل المجتمع والدولة.

أما اليوم، فإن هذا الدور أصبح موضع تساؤل متزايد. فقد أضحى المال والنفوذ الاقتصادي والاجتماعي، وفق انتقادات متواترة في النقاش السياسي والإعلامي، عاملاً حاضراً في تشكيل موازين القوى داخل بعض التنظيمات وفي إدارة الاستحقاقات الانتخابية.

وبدل أن يكون الانتماء الحزبي قائماً بالأساس على الاقتناع بمشروع سياسي أو مرجعية فكرية، أصبح استقطاب بعض الشخصيات يتم انطلاقاً من قدرتها على توفير الموارد الانتخابية واستقطاب الأصوات. وهنا يتحول الحزب تدريجياً من فضاء لتكوين السياسي إلى ما يشبه “دكاناً انتخابياً” تُقاس قيمته بعدد المقاعد التي يستطيع تحصيلها، لا بحجم الأفكار التي ينتجها أو بقدرته على تأطير المجتمع.

والأخطر من ذلك أن هذا التحول يفتح الباب أمام صعود نخب مالية وعقارية ورجال أعمال إلى مواقع متقدمة داخل الحقل السياسي، ليس باعتبارهم بالضرورة غير مؤهلين لممارسة السياسة، وإنما لأن معيار الاختيار نفسه يصبح محل سؤال عندما تتقدم القدرة المالية والانتخابية على الكفاءة السياسية والفكرية.

حين يصبح الناخب أمام اختيار محدود

المشكلة لا تكمن فقط في وجود رجال أعمال أو أثرياء داخل المؤسسات الحزبية والمنتخبة؛ فالثراء في حد ذاته لا يمثل عيباً سياسياً ولا قانونياً. الإشكال يبدأ عندما تتحول الثروة إلى أداة للنفوذ السياسي، أو عندما يصبح المال معياراً حاسماً في صناعة القرار الحزبي والانتخابي.

عندها يجد الناخب نفسه أمام مشهد سياسي لا تمنحه فيه البرامج دائماً إمكانية واضحة للتمييز بين الاختيارات. وتصبح المنافسة الانتخابية في بعض الحالات أقرب إلى مواجهة بين شبكات وأسماء ومراكز نفوذ، بدل أن تكون تنافساً بين مشاريع سياسية واجتماعية واقتصادية واضحة.

وهذا الوضع لا يضر فقط بصورة الأحزاب، بل يضرب جوهر العملية الديمقراطية نفسها؛ لأن الديمقراطية لا تختزل في لحظة الاقتراع، وإنما تقوم على وجود اختيارات حقيقية ومتباينة، وعلى قدرة المواطن على تقييم البرامج ومحاسبة من اختارهم.

القضاء والمال العام.. أزمة تتجاوز الأشخاص

وتزداد أزمة الثقة حدة عندما يرتبط النقاش السياسي بملفات قضائية أو شبهات تتعلق بتدبير المال العام. فقد أثارت قضايا تورط فيها منتخبون وشخصيات سياسية اهتماماً واسعاً لدى الرأي العام، ومن بينها الملف المعروف إعلامياً باسم “إسكوبار الصحراء”، إلى جانب قضايا أخرى أعادت إلى الواجهة أسئلة العلاقة بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية والأخلاقية.

وبطبيعة الحال، فإن وجود اتهامات أو شبهات لا يعني ثبوت المسؤولية الجنائية، إذ يظل القضاء الجهة المختصة بالحسم في الوقائع وتحديد المسؤوليات. غير أن البعد السياسي لهذه الملفات لا يتوقف عند نتائج المحاكمات، وإنما يمتد إلى قدرة الأحزاب على ممارسة الرقابة الذاتية، وفرض معايير صارمة للنزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أعادت تقارير المؤسسات الرقابية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات، النقاش حول طرق تدبير المال العام، بما في ذلك النفقات المرتبطة بالدراسات والخبرات والصفقات العمومية، ومدى احترام مبادئ الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص.

وهنا تكمن المفارقة: فالمواطن لا ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها وقائع قانونية معزولة فحسب، بل يقرأها أيضاً من زاوية سياسية وأخلاقية. ولذلك فإن أي فشل في الفصل الواضح بين المصالح الخاصة والمسؤولية العمومية، أو في فرض المحاسبة داخل التنظيمات السياسية، ينعكس مباشرة على صورة المؤسسة الحزبية بأكملها.

أزمة السياسة أم أزمة الأحزاب؟

قد يكون من الخطأ اختزال أزمة السياسة في المغرب في أداء حكومة بعينها أو في حزب محدد، لأن الظاهرة أوسع من ذلك. فالمشكلة تتعلق بتحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين المواطن والحزب، وبين الحزب والسلطة، وبين المال والعمل السياسي.

لقد أصبحت الأحزاب مطالبة اليوم بالإجابة عن سؤال جوهري: هل ما زالت قادرة على إنتاج السياسة، أم أنها تحولت إلى مجرد آلات انتخابية؟

فالسياسة التي تفقد قدرتها على إنتاج الأفكار تتحول إلى إدارة للمصالح. والحزب الذي يفقد قدرته على تأطير المواطنين يتحول إلى شبكة انتخابية. والانتخابات التي تفقد بعدها البرنامجي تتحول إلى منافسة على المقاعد.

ومن هنا، فإن استعادة الثقة لا يمكن أن تتم بمجرد تغيير الوجوه أو إطلاق شعارات جديدة، بل تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية لوظيفة الحزب السياسي.

إعادة الاعتبار للسياسة

إن إعادة الاعتبار للعمل الحزبي تقتضي تعزيز الديمقراطية الداخلية، ورفع مستوى الشفافية في التمويل، وتشجيع الكفاءات الفكرية والسياسية على الانخراط في العمل العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطوير آليات حقيقية لاختيار المرشحين على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين.

كما أن الأحزاب مطالبة بإعادة بناء علاقتها بالمجتمع، لا فقط في مواسم الانتخابات، وإنما من خلال الحضور الدائم في النقاش العمومي، والاستماع إلى المواطنين، وإنتاج السياسات والبدائل، وتقديم إجابات مقنعة عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تشغلهم.

فالسياسة لا تموت دفعة واحدة؛ إنها تبدأ في التراجع عندما تفقد الأحزاب قدرتها على إنتاج المعنى، وعندما يصبح المقعد أهم من المشروع، والشخص أهم من الفكرة، والمال أقوى من التنظيم، والانتخاب غاية في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لتحقيق الاختيار الديمقراطي.

ولذلك فإن الحديث عن “وأد السياسة” ليس مجرد عنوان صحفي، بل تعبير عن سؤال سياسي أعمق: هل يستطيع المغرب إعادة بناء حياة حزبية تجعل المواطن يشعر بأن صوته يختار مشروعاً، لا مجرد اسم، وأن الحزب يمثل رؤية للمجتمع، لا مجرد بوابة إلى المؤسسات؟

ذلك هو التحدي الحقيقي أمام مستقبل السياسة المغربية: إعادة السياسة إلى السياسة، قبل أن يصبح فقدان الثقة فيها هو القاعدة لا الاستثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة