قضايا و آراء

جبهة المخا تحت المجهر.. هل يسعى أنصار الله إلى قلب معادلة الساحل الغربي؟

تتزايد أهمية جبهة الساحل الغربي في اليمن مع تصاعد الاستهدافات التي تطال مدينة المخا وميناءها، في وقت تطرح فيه التطورات الميدانية أسئلة بشأن طبيعة الأهداف التي تقف وراء هذا التصعيد، وما إذا كانت الضربات المتكررة تندرج ضمن استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى على امتداد الساحل المطل على البحر الأحمر.

ولا يمكن فهم التحولات الحالية في المخا بمعزل عن المسار العسكري الذي شهدته المنطقة منذ عام 2017، وهو العام الذي شكّل نقطة تحول رئيسية في خريطة الصراع اليمني.

ففي نهاية ذلك العام، انهار التحالف الذي كان يجمع الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح بأنصار الله، بعد اندلاع مواجهات مسلحة في صنعاء انتهت بمقتل صالح. وفي أعقاب ذلك، غادر العميد طارق صالح العاصمة، والتحق به عدد من الضباط والعسكريين السابقين المرتبطين بالحرس الجمهوري والقوات الخاصة والأمن المركزي.

وبدعم إماراتي، جرى لاحقاً إعادة تنظيم هذه القوات ضمن تشكيل حمل اسم «حراس الجمهورية»، ليصبح أحد المكونات الرئيسية للقوات التي عُرفت لاحقاً باسم «المقاومة الوطنية»، واتخذت من المخا مركزاً مهماً لانتشارها ونشاطها العسكري.

غير أن السيطرة على الساحل الغربي لم تكن حكراً على قوات طارق صالح، إذ تشكلت إلى جانبها قوة عسكرية متعددة المكونات، ضمت «المقاومة التهامية» المؤلفة أساساً من مقاتلين محليين من أبناء تهامة والحديدة، إلى جانب «ألوية العمالقة» التي تضم في غالبيتها مقاتلين من المحافظات الجنوبية.

وتحت مظلة «القوات المشتركة»، تمكنت هذه التشكيلات، بدعم إماراتي، من تحقيق تقدم ميداني مهم على الساحل الغربي، شمل السيطرة على مناطق استراتيجية، من بينها باب المندب وذباب والمخا والخوخة، قبل الوصول إلى محيط مدينة الحديدة خلال العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة عام 2018.

لكن هذا التقدم توقف عقب اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018، الذي وضع حداً للهجوم على مدينة الحديدة، وأبقى أنصار الله في موقع السيطرة على المدينة ومينائها، في حين استمرت القوات المناهضة لهم في الانتشار جنوباً على امتداد شريط ساحلي ضيق وطويل يصل بين الحديدة والخوخة والمخا وباب المندب.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت المخا مركزاً عسكرياً وسياسياً بارزاً في منظومة القوات المناهضة لأنصار الله، كما تعزز نفوذ طارق صالح داخل هذه المنطقة، الأمر الذي جعل المدينة ذات قيمة استراتيجية تتجاوز بعدها المحلي.

المخا.. أكثر من مجرد ميناء

في ضوء هذه الخلفية، يمكن النظر إلى الاستهدافات المتكررة للمخا باعتبارها جزءاً من محاولة للضغط على مركز الثقل العسكري للقوات المناهضة لأنصار الله في الساحل الغربي.

فالمخا لا تمثل مجرد نقطة ساحلية، بل ترتبط بشبكة من المنشآت ومراكز القيادة والإمداد والتحرك العسكري. ولذلك فإن إضعافها قد ينعكس على قدرة القوات المنتشرة في المنطقة على الحفاظ على خطوط الإمداد والتنسيق العملياتي.

وتزداد أهمية هذا العامل بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للجبهة، التي تتخذ شكل شريط ساحلي طويل وضيق. وهذه الخصوصية تجعل خطوط الاتصال بين الوحدات المنتشرة شمالاً والمراكز الموجودة جنوباً ذات أهمية حاسمة لاستمرارية العمليات العسكرية.

ومن الناحية العسكرية، فإن أي اختراق في نقطة استراتيجية على هذا الشريط قد يؤدي إلى فصل أجزاء من القوات عن بعضها، وإرباك خطوط الإمداد، وربما تحويل بعض المواقع إلى مناطق معزولة يصعب دعمها عسكرياً.

وبناءً على ذلك، يمكن تفسير الضغط الناري على المخا باعتباره محاولة لإضعاف البنية العسكرية للجبهة قبل أي تحرك ميداني محتمل، بدلاً من حصر الهدف في إلحاق أضرار مباشرة بالميناء.

هل نحن أمام تمهيد لهجوم بري؟

السؤال الأكثر أهمية يتمثل في ما إذا كانت الضربات الحالية تشكل مقدمة لعملية برية واسعة.

ومن الصعب الجزم بذلك استناداً إلى القصف وحده، غير أن استمرار الضغط على مركز عسكري بحجم المخا يمكن أن يندرج ضمن استراتيجية تقوم على إنهاك الخصم، واستنزاف قدراته اللوجستية، وإضعاف قدرته على الاحتفاظ بمواقعه، قبل الانتقال ـ إذا توافرت الظروف ـ إلى عمليات برية.

وفي حال تمكن أنصار الله من تحقيق اختراق ميداني في الساحل الغربي، فإن تداعياته لن تقتصر بالضرورة على المخا، وإنما قد تمتد إلى مجمل التوازن العسكري الذي تشكل منذ معارك 2017 و2018.

وقد يؤدي مثل هذا التطور، في حال وقوعه، إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ على الساحل الغربي، والضغط على مواقع القوات المناهضة لأنصار الله، وتعزيز موقع قوات صنعاء في المناطق القريبة من البحر الأحمر وباب المندب.

لكن الوصول إلى هذه النتيجة يظل مرتبطاً بقدرة أنصار الله على تحويل الضغط الناري إلى مكاسب ميدانية، وهو أمر تحكمه عوامل عسكرية وجغرافية وسياسية معقدة.

البعد الإقليمي للصراع

ولا تكتمل قراءة المشهد من دون التوقف عند التنافس الإقليمي داخل الساحة اليمنية، خصوصاً بين السعودية والإمارات، اللتين لعبتا أدواراً مختلفة في دعم القوى المناهضة لأنصار الله.

وتحظى المخا بأهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بقوات طارق صالح وبالنفوذ الإماراتي على الساحل الغربي.

ومن هنا تبرز فرضية سياسية مفادها أن إضعاف هذه الجبهة قد يصب، بصورة غير مباشرة، في إعادة توزيع النفوذ داخل المعسكر المناهض لأنصار الله، خصوصاً في ظل التباينات السعودية ـ الإماراتية بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في اليمن.

أما الحديث عن وجود موقف سعودي متعمد يقوم على غض الطرف عن استهداف المخا، فيبقى في إطار التحليل والافتراض، ما لم يصدر عن الرياض موقف رسمي يثبت أو ينفي هذه الفرضية.

في المحصلة، تبدو جبهة المخا أمام مرحلة حساسة، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط بتبادل الضربات، وإنما بمستقبل التوازن العسكري على الساحل الغربي.

فإذا استمر التصعيد، وتحول الضغط على المخا إلى عمليات برية، فقد تكون المنطقة أمام محاولة لإعادة رسم الخريطة العسكرية التي استقرت نسبياً منذ اتفاق ستوكهولم، بما يجعل المخا واحدة من أبرز نقاط الاختبار في الصراع اليمني خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة