أخبار و حوادث

البوليساريو تكثف تحركاتها في نواكشوط.. وموريتانيا ترسم حدود العلاقة

تكشف سلسلة اللقاءات التي جمعت مسؤولين موريتانيين بوفود من جبهة البوليساريو، خلال الأشهر الماضية، عن تنامي أهمية نواكشوط في الحسابات السياسية للجبهة، بالتزامن مع التحولات التي يشهدها مسار النزاع حول الصحراء، وخصوصاً منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025.

فخلال أقل من ثمانية أشهر، استقبل الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ثلاثة وفود من جبهة البوليساريو، في مناسبات جرت في نوفمبر 2025 وفبراير ويوليو 2026. ويعكس هذا التواتر، وفق قراءات سياسية، رغبة قيادة الجبهة في الحفاظ على قنوات التواصل مع نواكشوط والبحث عن مكاسب سياسية أو مؤسساتية، في ظل تراجع هامش المناورة المتاح لها على المستوى الإقليمي والدولي.

ثلاث زيارات في أقل من ثمانية أشهر

بدأ هذا المسار في 18 نوفمبر 2025، عندما استقبل ولد الشيخ الغزواني وفداً من البوليساريو برئاسة حمة سلامة، بعد أسابيع قليلة من صدور القرار الأممي 2797.

وفي 23 فبراير 2026، تجدد اللقاء، قبل أن تعود قيادة الجبهة إلى نواكشوط في 13 يوليو من العام نفسه، حين استقبل الرئيس الموريتاني عبد القادر الطالب عمر، الذي حمل رسالة من زعيم البوليساريو إبراهيم غالي.

ورغم تكرار هذه اللقاءات، لم يعلن الجانب الموريتاني عن أي تحول في موقفه من النزاع، كما لم تفضِ الزيارات، وفق مصادر مطلعة، إلى تحقيق المطالب التي حملتها قيادة الجبهة إلى نواكشوط.

ويكتسب هذا التسلسل أهمية خاصة بالنظر إلى توقيته، إذ جاء في مرحلة تشهد فيها قضية الصحراء تحولات على مستوى المواقف الدولية، مع تصاعد الدعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي من جانب عدد من الدول، إلى جانب الدور المتزايد الذي بات يحتله هذا المقترح في النقاش الدبلوماسي حول تسوية النزاع.

مطلب التمثيل الدبلوماسي يصطدم بالرفض

وفق مصادر قريبة من الملف، سعت البوليساريو خلال اتصالاتها مع المسؤولين الموريتانيين إلى رفع مستوى حضورها في نواكشوط، وطرحت، بحسب المصادر نفسها، فكرة فتح بعثة أو مكتب يمثلها بشكل رسمي.

غير أن هذا المطلب اصطدم برفض موريتاني، بعدما اعتبرت نواكشوط أن منح الجبهة تمثيلاً ذا طابع دبلوماسي من شأنه تجاوز السقف الذي حددته سياستها تجاه النزاع، وتحويل قنوات الاتصال السياسي إلى علاقة مؤسساتية تحمل دلالات سياسية أوسع.

وتؤكد مصادر رسمية موريتانية، بحسب المعطيات المتداولة، أن استقبال وفود البوليساريو لا يعني منحها صفة تمثيلية أو دبلوماسية، وأن استمرار قنوات التواصل معها لا يرقى بالضرورة إلى مستوى الاعتراف المؤسسي.

وبذلك، يبدو أن إنشاء بعثة للجبهة في العاصمة الموريتانية ظل، وفق المصادر، خارج حسابات نواكشوط، التي تفضل الإبقاء على هامش الحركة مفتوحاً من دون الانتقال إلى خطوات قد تُفسر باعتبارها اصطفافاً سياسياً.

المركز الثقافي.. محاولة بديلة

مع تعثر خيار التمثيل الدبلوماسي، انتقلت البوليساريو، وفق المصادر نفسها، إلى مقترح أقل حساسية سياسياً، تمثل في إنشاء مركز ثقافي في نواكشوط على غرار المركز الثقافي المغربي.

لكن المقترح لم يتحول إلى واقع، إذ لم تصدر، وفق المعطيات المتاحة، موافقة نهائية من الرئيس الموريتاني على المشروع.

وتفيد المصادر بأن بعض الترتيبات المرتبطة بالمشروع كانت قد بدأت على مستوى حكومي، قبل أن يتوقف المسار عند وصول الملف إلى مستويات أعلى.

وهكذا، وجدت الجبهة نفسها أمام مسارين لم يحققا الهدف المنشود: تمثيل دبلوماسي لم يحظ بالموافقة، ومركز ثقافي لم يخرج إلى حيز التنفيذ.

من السياسة إلى البعد الاجتماعي

مع تعثر المسارين السياسي والمؤسساتي، اكتسبت الزيارة الثالثة، التي جرت في يوليو 2026، طابعاً مختلفاً، وفق المصادر ذاتها.

فبدلاً من التركيز على التمثيل أو الحضور المؤسساتي، انتقلت الاتصالات، بحسب هذه الرواية، إلى ملف الموقوفين الصحراويين في السجون الموريتانية، ولا سيما الأشخاص الموقوفين على خلفية قضايا جنائية.

وتقول المصادر إن قيادة البوليساريو حاولت توظيف هذا الملف للتقرب من عائلات بعض الموقوفين، وتقديم نفسها باعتبارها جهة تسعى إلى مساعدتهم ومتابعة أوضاعهم.

غير أن المعطيات المتوفرة لا تسمح بالجزم بوجود تجاوب رسمي مع هذا المسعى، كما لا تتوفر معلومات مؤكدة حول اتخاذ إجراءات محددة بشأن الموقوفين المعنيين.

وبالتالي، يبقى هذا المسار، في أحسن الأحوال، محاولة جديدة لخلق هامش نفوذ اجتماعي، وليس مكسباً سياسياً أو مؤسساتياً تحقق للجبهة.

لماذا تراهن البوليساريو على نواكشوط؟

تحتل موريتانيا موقعاً حساساً في خريطة النزاع، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، فضلاً عن حرصها على إدارة الملف بعيداً عن الاصطفاف المباشر.

ولهذا السبب، تنظر قيادة البوليساريو إلى نواكشوط باعتبارها ساحة ذات أهمية سياسية، يمكن لأي تغيير في مستوى العلاقة معها أن يمنح الجبهة هامشاً إضافياً للتحرك.

غير أن المعطيات المرتبطة بالزيارات الثلاث توحي بأن موريتانيا تسعى إلى الحفاظ على معادلة دقيقة: إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع البوليساريو، من دون منحها حضوراً مؤسساتياً يمكن أن يُقرأ باعتباره اعترافاً سياسياً إضافياً أو تحولاً في موقف نواكشوط.

وفي المقابل، فإن عدم إعلان موريتانيا تبنيها الرسمي لمقترح الحكم الذاتي المغربي يعني أن استنتاج انتقالها إلى موقف مؤيد لهذا المقترح سيكون سابقاً لأوانه، ما لم يصدر موقف رسمي واضح بهذا الشأن.

لكن استمرار نواكشوط في إدارة علاقتها بالبوليساريو ضمن حدود محددة، بالتزامن مع التحولات التي يعرفها الموقف الدولي من النزاع، يعكس حرصاً موريتانياً على الحفاظ على استقلالية القرار وعدم الانجرار إلى اصطفاف قد يقيد هامشها الدبلوماسي.

من مطلب دبلوماسي إلى ملف اجتماعي

تكشف مسارات الزيارات الثلاث، وفق هذه القراءة، عن تدرج واضح في سقف المطالب التي حملتها قيادة البوليساريو إلى نواكشوط.

فالبداية كانت بمطلب ذي طابع سياسي ومؤسساتي يتمثل في فتح بعثة أو مكتب للجبهة، ثم جرى الانتقال إلى مقترح ثقافي أقل حساسية، قبل أن ينتهي المسار إلى ملف اجتماعي وإنساني يتعلق بالموقوفين وعائلاتهم.

ويشير هذا التدرج إلى أن الجبهة تحاول استكشاف مختلف المساحات الممكنة داخل العلاقة مع موريتانيا، في وقت تبدو فيه بعض الخيارات السياسية الأكثر طموحاً بعيدة عن متناولها.

وبذلك، لا تبدو الزيارات الثلاث مجرد لقاءات بروتوكولية متفرقة، بل جزءاً من مسعى أوسع للحفاظ على حضور البوليساريو في نواكشوط. غير أن حدود هذا الحضور تظل مرتبطة، في نهاية المطاف، بحسابات موريتانية دقيقة تقوم على إبقاء التواصل قائماً، مع رفض تحويله إلى التزام مؤسساتي أو اصطفاف سياسي مباشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة