قضايا و آراء

ما بعد انتخابات شتنبر.. هل انتهى زمن الأحرار وبدأ «البام» في إعادة ترتيب المشهد؟

صراع النفوذ يخرج من الكواليس.. حزب الأصالة والمعاصرة يرفض استمرار التجمع الوطني للأحرار في واجهة تدبير الحكم، ومراقبون يتحدثون عن بداية مرحلة جديدة في موازين القوى السياسية بالمغرب

يبدو أن نتائج انتخابات شتنبر 2026 لم تفتح فقط الباب أمام تشكيل مشهد سياسي جديد بالمغرب، بل كشفت أيضاً عن تصدعات داخل معادلة سياسية ظلت لسنوات قائمة على تقاطعات وتحالفات بين قوى حزبية مختلفة.

وفي قلب هذه التحولات يبرز الخلاف بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، في مواجهة تحمل أكثر من مجرد اختلاف في المواقف، وتعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول طبيعة التوازنات السياسية، وأدوار الأحزاب، وحدود التنافس على مواقع القرار.

فإذا كان الصراع بين الحزبين ظل، خلال فترات سابقة، محكوماً بمنطق التحالفات والتنسيق، فإن التطورات الأخيرة توحي بأن مرحلة جديدة قد تكون قد بدأت، عنوانها الأبرز: من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟

«البام» يرفع سقف المواجهة

لم يعد الخلاف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار مجرد تباين عابر بين حليفين سياسيين، بعدما خرجت مواقف متبادلة إلى العلن، وتزايدت حدة الانتقادات بين قيادات محسوبة على الطرفين.

ويأتي ذلك في سياق سياسي بالغ الحساسية، فرضته نتائج انتخابات شتنبر، التي أعادت ترتيب مواقع عدد من الأحزاب وفتحت الباب أمام حسابات جديدة بشأن التحالفات ومواقع النفوذ داخل المؤسسات المنتخبة والحكومة.

ويرى مراقبون أن موقف الأصالة والمعاصرة الرافض لاستمرار التجمع الوطني للأحرار في معادلة تدبير الحكم، يؤكد التنافس المتصاعد بين الحزبين.

فالأمر، وفق هذه القراءة، يتجاوز خلافاً حول توزيع المواقع الحكومية، ليطرح سؤالاً أكبر حول من سيكون الحزب الأكثر تأثيراً في المرحلة السياسية المقبلة؟

من «حركة لكل الديمقراطيين» إلى قلب السلطة

ولفهم طبيعة التحولات الحالية، لا بد من العودة إلى البدايات.

فحزب الأصالة والمعاصرة خرج من رحم «حركة لكل الديمقراطيين»، التي تأسست سنة 2008، وهي المبادرة التي ارتبطت باسم فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في الداخلية والبرلماني.

وقد تمكنت الحركة، منذ ظهورها، من استقطاب عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية، بينها أسماء لها خلفيات حزبية مختلفة، وهو ما جعلها منذ البداية محط اهتمام واسع داخل الأوساط السياسية.

لكن صعود هذا المشروع لم يكن بلا جدل. فقد أثارت الحركة مخاوف لدى أحزاب وشخصيات سياسية، فيما ذهب بعض خصومها إلى اعتبارها مشروعاً يمكن أن يعيد تشكيل الخريطة السياسية المغربية ويؤثر في طبيعة التوازنات الحزبية.

بعد ذلك، تحولت الحركة إلى حزب سياسي، ليصبح الأصالة والمعاصرة واحداً من أبرز الفاعلين في المشهد الوطني.

وبعد سنوات من الصعود والتنافس والتحالفات، يجد الحزب نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية قد تعيد طرح السؤال الذي رافق ولادته: هل كان الهدف مجرد تأسيس حزب جديد، أم إعادة ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي؟

الأحرار.. من حزب إداري إلى لاعب حكومي لعقود

على الضفة الأخرى يقف التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1977، حين تشكل من عشرات النواب الذين خاضوا الانتخابات دون انتماء سياسي، قبل أن يشكلوا أغلبية داخل البرلمان.

وقد ارتبط الحزب، منذ بداياته، بقراءات سياسية اعتبرته من الأحزاب الإدارية التي ظهرت في سياق سياسي كان يبحث عن موازنة الحضور الحزبي داخل المؤسسات المنتخبة.

لكن التجمع الوطني للأحرار لم يبق أسير صورته الأولى.

فعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، تمكن الحزب من الحفاظ على حضور قوي في الحكومات المتعاقبة، وانتقل من موقع إلى آخر داخل المعادلة السياسية، إلى أن أصبح أحد اللاعبين الأساسيين في تدبير الشأن الحكومي.

غير أن التطورات الحالية تضع هذا المسار الطويل أمام اختبار جديد.

فهل يمكن أن يجد حزب راكم أكثر من خمسين سنة من الحضور الحكومي نفسه خارج دائرة القرار في مرحلة مقبلة؟

«ثلاجة سياسية» في انتظار الدور المقبل؟

في أوساط المتابعين للشأن السياسي المغربي، بدأت تظهر قراءات تتوقع أن يدخل التجمع الوطني للأحرار مرحلة من التراجع التكتيكي، أو ما وصفه البعض بـ«الثلاجة السياسية»، في انتظار إعادة تموقعه وفق توازنات جديدة.

ولا يعني هذا بالضرورة نهاية الحزب أو خروجه من المشهد، بل قد يكون الأمر، وفق هذه القراءة، مجرد إعادة ترتيب للأدوار، خصوصاً أن التجربة السياسية المغربية أظهرت مراراً أن موقع الأحزاب يمكن أن يتغير تبعاً للتحالفات والانتخابات وموازين القوى.

ويعتقد مراقبون أن الحزب الذي قضى أكثر من خمسة عقود قريباً من دوائر التسيير الحكومي قد يجد نفسه مضطراً إلى إعادة بناء موقعه السياسي، سواء من داخل المعارضة أو عبر تحالفات جديدة، في انتظار استحقاقات أخرى قد تعيد خلط الأوراق.

هل يعود «البام» إلى فكرة التأسيس؟

السؤال الأكثر إثارة، بالنسبة إلى عدد من المتابعين، لا يتعلق فقط بمستقبل التجمع الوطني للأحرار، وإنما أيضاً بما يريده الأصالة والمعاصرة من المرحلة المقبلة.

فالحزب الذي انطلق من مشروع سياسي مثير للجدل، وُلد من فكرة «حركة لكل الديمقراطيين»، قد يكون أمام فرصة لإعادة تقديم نفسه كقوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات داخل المشهد الحزبي.

ومن هنا تبرز فرضية يطرحها بعض المراقبين: هل يشهد المغرب عودة، ولو بصيغة مختلفة، إلى بعض الأفكار التي صاحبت ميلاد المشروع الذي قاد في النهاية إلى تأسيس الأصالة والمعاصرة؟

لا توجد، في الوقت الراهن، إجابة حاسمة عن هذا السؤال. لكن المؤكد أن الخلاف المتصاعد بين «البام» و«الأحرار» أعاد إلى الواجهة نقاشاً ظل حاضراً منذ سنوات حول طبيعة التحالفات الحزبية، ومن يملك القدرة على صناعة التوازنات السياسية.

صراع شخصيات أم بداية إعادة رسم للخريطة؟

الأيام المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد طبيعة هذا الصراع.

فإذا كان الأمر مجرد خلاف بين قيادات حزبية حول تدبير المرحلة، فإن الأزمة قد تنتهي بتسوية سياسية تعيد الطرفين إلى طاولة التفاهم.

أما إذا كان الخلاف يعكس تحولاً أعمق في موازين القوى، فإن المغرب قد يكون أمام مرحلة جديدة تتغير فيها مواقع عدد من الأحزاب، ويعاد فيها توزيع أدوار الحكومة والمعارضة والتحالفات.

وبين فرضية التسوية وفرضية القطيعة، يبقى التجمع الوطني للأحرار أمام اختبار سياسي صعب، بينما يجد الأصالة والمعاصرة نفسه أمام فرصة لإثبات ما إذا كان قادراً على الانتقال من موقع الشريك في الحكم إلى موقع القوة التي تسعى إلى قيادة مرحلة سياسية جديدة.

وفي انتظار اتضاح الصورة، تبدو انتخابات شتنبر 2026 وكأنها لم تحسم فقط نتائج الصناديق، بل فتحت أيضاً معركة ما بعد النتائج؛ وهي المعركة التي قد تكون أكثر تأثيراً في رسم مستقبل الخريطة السياسية المغربية من نتائج الانتخابات نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة