مفاوضات المغرب والبوليساريو مطلع 2026: تفاصيل جديدة عن مسار التسوية وترتيبات المرحلة الانتقالية

تكشف معطيات جديدة أوردها التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء عن تفاصيل غير مسبوقة حول الجولات التفاوضية المباشرة التي جمعت المغرب وجبهة البوليساريو خلال يناير وفبراير 2026، برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة أمريكية، حيث انتقلت المباحثات من مناقشة المبادئ العامة للتسوية إلى بحث ترتيبات عملية مرتبطة بمرحلة انتقالية محتملة، من دون أن تنجح الأطراف في تجاوز الخلافات المتعلقة بالسيادة وتقرير المصير.

ثلاث جولات تفاوضية في واشنطن ومدريد
جاء استئناف المفاوضات المباشرة مطلع عام 2026 بمبادرة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة. وشارك في إدارة المحادثات ممثلون عن الأمم المتحدة والجانب الأمريكي، من بينهم الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، إلى جانب مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، وعدد من المسؤولين الأمريكيين.
وشارك المغرب والجزائر وموريتانيا على مستوى وزراء الخارجية، فيما مثّلت جبهة البوليساريو من خلال مسؤول مكلف بملف سياستها الخارجية.
وتوزعت المفاوضات على ثلاث جولات؛ عقدت الأولى في واشنطن يومي 18 و19 يناير، والثانية في مدريد يومي 8 و9 فبراير، قبل أن تستضيف واشنطن الجولة الثالثة يومي 23 و24 فبراير.
وبحسب التقرير الأممي، استهدفت المحادثات التوصل إلى حل «عادل ودائم ومقبول بشكل متبادل»، مع اعتماد المقترح المغربي للحكم الذاتي إطارًا أساسًا للنقاش، وذلك في سياق القرار الأممي رقم 2797 الصادر عام 2025.
الحكم الذاتي في صلب الجولة الأولى
خلال الجولة الأولى بواشنطن، قدم المغرب نسخة موسعة من مقترح الحكم الذاتي الذي سبق أن طرحه سنة 2007، مع إبداء الاستعداد للتفاوض مع جبهة البوليساريو حول صيغة للحل وتنفيذها بصورة مشتركة، على أن تكون التسوية النهائية ثمرة تفاوض و«ملكية مشتركة» لأطراف النزاع.
في المقابل، طرحت جبهة البوليساريو أفكارًا ومقترحات خاصة بها لتسوية النزاع، مستندة إلى مقترح سبق أن قدمته إلى الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر 2025.
ويرى التقرير أن الجولة الأولى ساهمت في توضيح مواقف الأطراف ووفرت أرضية أولية لبدء مسار لبناء الثقة، بعدما انتقلت المحادثات إلى نقاش مباشر حول عناصر التسوية المحتملة.
من المبادئ العامة إلى تفاصيل المرحلة الانتقالية
اتخذت المفاوضات خلال الجولة الثانية في مدريد منحى أكثر تفصيلًا، إذ انصب جزء مهم من النقاش على الترتيبات التي يمكن أن ترافق مرحلة انتقالية محتملة.
ومن أبرز الأفكار التي جرى بحثها إنشاء مجلس انتقالي لا يقتصر دوره على إدارة الجوانب العملية للمرحلة الانتقالية، بل يمكن أن يشكل أيضًا إطارًا للتفاوض حول تفاصيل التسوية السياسية.
وشملت المباحثات كذلك دور الأطراف الدولية والضمانات المرتبطة بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي، إضافة إلى ملفات متعددة ذات طبيعة سياسية وأمنية واقتصادية، من بينها تقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتدابير الأمنية، فضلًا عن الأنظمة الانتخابية.
وتعكس طبيعة هذه الملفات انتقال النقاش من مستوى التصورات السياسية العامة إلى بحث الآليات التي يمكن أن تحكم تنفيذ أي تسوية يتم التوافق عليها مستقبلًا.
موريتانيا تطرح ملف الحدود
برز خلال الجولة الثانية أيضًا موقف موريتانيا بشأن الحدود، إذ شددت نواكشوط على أهمية تشكيل لجنة تتولى، بصورة توافقية، بحث وتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم موضوع النزاع.
ويأتي هذا الطرح في سياق النقاش الأوسع حول الترتيبات التي قد تواكب أي تسوية سياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالجوانب القانونية والأمنية والإقليمية.
وفي موازاة ذلك، طلب المشاركون من فريقي الأمم المتحدة والولايات المتحدة الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا من الإعداد، حيث شرعا في صياغة مشروع أولي لاتفاق إطاري بشأن مرحلة انتقالية محتملة.
كما عمل الفريقان على بلورة مواقف توافقية محتملة بشأن عدد من الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات، إلى جانب إعداد وثائق كان يفترض مناقشتها خلال الجولة الثالثة.
الجولة الثالثة تعيد ملف السيادة وتقرير المصير إلى الواجهة
استضافت واشنطن الجولة الثالثة يومي 23 و24 فبراير 2026، وتركزت المناقشات بصورة خاصة على مشروع المجلس الانتقالي والعناصر الأخرى التي أعدها فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
غير أن هذه الجولة أظهرت استمرار الخلاف حول القضايا الأكثر حساسية في النزاع، وفي مقدمتها السيادة على الإقليم وتقرير المصير.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، خلص الرئيسان المشاركان للمفاوضات إلى أن حجم التباين بين الأطراف بشأن هذين الملفين يستدعي التعامل معهما بصورة منفصلة، عبر إجراء نقاشات إضافية مع الأطراف المعنية بهدف استكشاف إمكانات التوافق بشأنهما.
وبذلك، لم تفض الجولات الثلاث إلى اتفاق نهائي، لكنها كشفت عن انتقال المفاوضات إلى مستوى أكثر تفصيلًا، شمل بحث هياكل مؤقتة وآليات سياسية وأمنية واقتصادية يمكن أن ترتبط بتسوية مستقبلية.
تفاوض متقدم دون اتفاق نهائي
تشير المعطيات التي تضمنها التقرير الأممي إلى أن مفاوضات يناير وفبراير 2026 لم تقتصر على تبادل المواقف بشأن طبيعة الحل، بل دخلت في مناقشة عدد من الآليات العملية المرتبطة بإمكان تطبيق تسوية سياسية.
ويبرز في هذا السياق مقترح إنشاء مجلس انتقالي، إلى جانب بحث قضايا الموارد والمصالحة والأمن ونزع السلاح والانتخابات والضمانات الدولية، وهي ملفات تعكس طبيعة التعقيدات التي يمكن أن تواجه أي ترتيبات انتقالية محتملة.
وفي الوقت نفسه، حافظت القضايا المرتبطة بالسيادة وتقرير المصير على موقعها المركزي في الخلاف بين الأطراف، بما يؤكد أن التقدم في بحث آليات التسوية لم يؤدِ إلى تجاوز القضايا السياسية الأساسية محل النزاع.
الأمم المتحدة: معايير دولية للحكم الذاتي
وفي عرضه لمسار المفاوضات، يشير التقرير إلى أن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة شدد على ضرورة أن يستوفي أي مقترح للحكم الذاتي للصحراء أعلى المعايير الدولية.
وتقدم هذه المعطيات صورة لمسار تفاوضي شهد، خلال مطلع عام 2026، بحثًا أكثر تفصيلًا في شكل التسوية المحتملة وآليات تنفيذها، بالتوازي مع استمرار التباين حول القضايا الجوهرية.
وعليه، فإن أهمية ما كشفه التقرير لا تكمن في الإعلان عن اتفاق نهائي بين المغرب وجبهة البوليساريو، وإنما في إظهار أن المفاوضات انتقلت إلى بحث عناصر عملية لتسوية محتملة، بما في ذلك ترتيبات مرحلة انتقالية وهياكل وآليات لتنفيذها، في وقت لا تزال فيه قضايا السيادة وتقرير المصير تمثل أبرز الملفات العالقة أمام الوصول إلى تفاهم نهائي.




