ثقافة و فنون

«إيكاون».. حين تحوّل الشعر والموسيقى إلى سلطة أخلاقية في مجتمع البيظان

أبناء محمد ولد الميداح اسرة الفن

تُعدّ شريحة المطربين المعروفة في مجتمع البيظان باسم «إيكاون» بوضع ثلاثة نقط على حرف “الكاف” إحدى المكونات الثقافية والاجتماعية التي اضطلعت، تاريخيًا، بدور بارز في تشكيل الذوق العام وترسيخ منظومة القيم والأخلاق داخل المجتمع البدوي. ولم يقتصر حضور هذه الفئة على الجانب الفني والترفيهي، بل تجاوز ذلك ليؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية تمثلت في المساهمة في تقويم السلوك الفردي والجماعي وتعزيز المعايير الأخلاقية المتداولة داخل المجتمع.

وقد شكّل الشعر الحساني والموسيقى وسيلتين أساسيتين مارست من خلالهما «إيكاون» نوعًا من الرقابة الاجتماعية غير الرسمية. فمن خلال المدح والتعريض والنقد، وأحيانًا الذم الصريح، كان الشعر يؤدي وظيفة تتجاوز التعبير الفني إلى مساءلة السلوك الاجتماعي وإبراز ما يتوافق مع قيم الجماعة وما يُنظر إليه بوصفه خروجًا عنها.

وفي سياق مجتمع بدوي يقوم على الترحال والتفاعل المستمر بين أفراده، اكتسب هذا الدور أهمية خاصة؛ إذ كانت الكلمة المغناة وسيلة سريعة وفعالة لتداول المواقف والأخبار وتقييم التصرفات، بما يجعل الشاعر أو الفنان طرفًا مؤثرًا في تشكيل الرأي الاجتماعي. ومن ثم، أصبح حضور «إيكاون» مرتبطًا، في جانب منه، بعملية مستمرة لإعادة إنتاج القيم الجماعية وتحديد الحدود الرمزية للسلوك المقبول داخل المجتمع.

ومن خلال هذا الدور، أسهمت هذه الشريحة في ترسيخ عدد من القيم المرتبطة بالأخلاق والكرم والشجاعة والوفاء وحسن السلوك، وفي المقابل، كانت الممارسات التي تُعدّ دخيلة أو مناقضة للمعايير الاجتماعية عرضة للنقد والتشهير والتعريض عبر الشعر الحساني. وبذلك تحولت الأغنية والشعر إلى مساحة للتعبير عن الموقف الاجتماعي، وأداة للتنبيه إلى السلوكيات التي تستحق الإشادة أو النقد.

ولا يمكن، في هذا السياق، النظر إلى «إيكاون» باعتبارهم مجرد فئة فنية تؤدي وظيفة موسيقية، وإنما يمكن مقاربة دورهم بوصفه جزءًا من آليات الضبط الاجتماعي والثقافي التي عرفها مجتمع البيظان. فقد ساهم الفن الشفهي، بما يمتلكه من قدرة على الانتشار والتأثير، في نقل القيم من جيل إلى آخر، وفي تشكيل الذوق العام وإعادة تأكيد المعايير التي يقوم عليها التعايش داخل الجماعة.

وعليه، فإن دراسة «إيكاون» لا تكتمل من خلال النظر إلى إنتاجهم الموسيقي والشعري بوصفه تراثًا فنيًا فحسب، بل تقتضي أيضًا مقاربة وظيفته الاجتماعية والثقافية، باعتباره أحد الأشكال التي عبّر من خلالها مجتمع البيظان عن تصوراته للأخلاق والسلوك والمكانة الاجتماعية، وعن طريقه مارس نوعًا من التقويم الجماعي داخل فضاء شفهي كانت فيه الكلمة، إلى جانب الموسيقى، وسيلة للتعبير والتأثير والضبط الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة