أخبار و حوادثصحة و رياضة

مستشفى مولاي الحسن العسكري بكلميم.. إقبال متزايد يطرح أسئلة محرجة حول واقع المنظومة الصحية بالجهة

مشهد مئات المرضى أمام أبواب المؤسسة العسكرية لا يعكس فقط حجم الإقبال على خدماتها، بل يفتح النقاش حول أسباب تراجع ثقة المواطنين في العرض الصحي العمومي، وحدود قدرة المستشفى الجهوي بكلميم على الاستجابة لحاجيات الساكنة.

إذا قادتك الظروف إلى مراجعة اختصاصي بمستشفى مولاي الحسن العسكري بمدينة كلميم، فقد تجد نفسك أمام مشهد يتكرر مع الساعات الأولى من كل صباح : أكثر من 200 رجل وامرأة وطفل ينتظرون فتح أبواب المؤسسة، بعدما حصلوا على أرقامهم الترتيبية، في انتظار الاستفادة من خدمات طبية تتوزع بين تخصصات متعددة. وما إن تنطلق عملية استقبال المرضى حتى يتحول هذا الحشد، في أقل من نصف ساعة، إلى حركة متواصلة داخل مختلف المصالح، حيث يسعى كل مريض إلى استكمال الإجراءات المرتبطة بموعده الطبي.

قد يبدو المشهد، للوهلة الأولى، دليلاً على الإقبال الكبير على مؤسسة استشفائية تحظى بثقة مرتفقيها، لكنه، في عمقه، يطرح أسئلة تتجاوز حدود التنظيم اليومي للاستقبال، لتلامس واقع الخدمات الصحية بإقليم كلميم ومحيطه، ومدى قدرة المؤسسات العمومية على توفير رعاية طبية تستجيب لتطلعات المواطنين.

حين يصبح الإقبال مؤشراً على اختلال التوازن الصحي

إن تحول المستشفى العسكري إلى وجهة مفضلة لشريحة واسعة من المرضى، من داخل الإقليم وخارجه، يفرض قراءة تتجاوز الأرقام والمشاهد اليومية. فالإقبال على مؤسسة بعينها قد يعكس جودة خدماتها وتوفر تخصصات طبية يحتاج إليها المرضى، لكنه قد يكشف، في المقابل، عن محدودية البدائل المتاحة أمامهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاستشارات المتخصصة التي تتطلب مواعيد منتظمة ومتابعة طبية مستمرة.

وفي هذا السياق، تتجه أصابع النقد إلى مستوى الخدمات المقدمة بالمستشفى الجهوي بكلميم، الذي يفترض أن يشكل إحدى الركائز الأساسية للعرض الصحي بالمنطقة. غير أن تقييم هذا الوضع يظل رهيناً بمعطيات دقيقة بشأن التخصصات المتوفرة، والموارد البشرية، والتجهيزات الطبية، وآجال المواعيد، ومدى استجابة الخدمات لحاجيات المرضى.

فالمواطن الذي يضطر إلى البحث عن بدائل لتلقي العلاج لا تحركه بالضرورة الرغبة في اختيار مؤسسة دون أخرى، بقدر ما تدفعه الحاجة إلى ضمان تشخيص مناسب ورعاية صحية في الوقت المطلوب. وهنا تتحول جودة الخدمات من مجرد مؤشر إداري إلى عنصر حاسم في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية.

ضغط متزايد وأسئلة حول العدالة في الولوج إلى العلاج

لا تتوقف تداعيات هذا الإقبال عند حدود الاكتظاظ، بل تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بالعدالة المجالية في الاستفادة من العلاج. فإذا أصبحت مؤسسة واحدة تستقطب أعداداً كبيرة من المرضى، فإن ذلك يثير تساؤلات بشأن التوازن بين العرض والطلب، ومدى قدرة مختلف المؤسسات الصحية بالجهة على تقاسم الأعباء وتوفير خدمات متكاملة.

كما أن توافد المرضى من مناطق متعددة قد يفرض تحديات إضافية على التنظيم والاستقبال، ويطرح الحاجة إلى تنسيق أفضل بين المؤسسات الصحية، بما يضمن توجيه المرضى بحسب طبيعة حالاتهم والتخصصات المتاحة، دون تحميلهم أعباء التنقل والانتظار كلما تعذر عليهم الحصول على الخدمة المطلوبة بالقرب من أماكن إقامتهم.

وفي المقابل، فإن الإشادة بالإقبال على المستشفى العسكري لا ينبغي أن تحجب ضرورة الحفاظ على جودة خدماته وقدرته الاستيعابية، حتى لا يتحول نجاحه في استقطاب المرضى إلى ضغط إضافي على موارده وإمكاناته.

المطلوب ليس المفاضلة بين المؤسسات، بل إصلاح الاختلالات

إن جوهر النقاش لا يكمن في المفاضلة بين المستشفى العسكري والمستشفى الجهوي، ولا في التقليل من جهود الأطر الطبية والتمريضية والإدارية، بل في البحث عن الأسباب التي تجعل المواطنين يفضلون مؤسسة بعينها، والعمل على معالجة الاختلالات التي تحد من استفادتهم من الخدمات الصحية في المؤسسات الأخرى.

ويقتضي ذلك تقييماً موضوعياً للعرض الصحي بكلميم، يشمل الموارد البشرية والتجهيزات والتخصصات الطبية وآجال المواعيد وجودة التكفل بالمرضى، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية، وتحديد مكامن الخلل ووضع حلول عملية تستجيب لحاجيات الساكنة.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون اكتظاظ أبواب المستشفى العسكري مجرد مشهد يومي عابر، بل مدخلاً لطرح أسئلة جوهرية حول واقع الصحة بكلميم. فالمعيار الحقيقي لنجاح المنظومة الصحية ليس عدد المرضى الذين تقصدهم مؤسسة واحدة، وإنما قدرة مختلف المؤسسات على تقديم علاج جيد، في الوقت المناسب، وبأقرب مسافة ممكنة من المواطن. أما استمرار الاعتماد المكثف على مؤسسة بعينها، فيظل مؤشراً يستحق الدراسة والتقييم، بما يضمن حق الساكنة في خدمات صحية منصفة وذات جودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة