حين طوى المغرب وموريتانيا صفحة الخلاف وفتحا أفق الأخوة

محمد سالم الشافعي

لم تكن ليلة القمة الإسلامية بالرباط سنة 1969 مجرد محطة دبلوماسية عابرة في تاريخ العلاقات المغربية الموريتانية، بل شكلت منعطفاً سياسياً أنهى مرحلة من التجاذب حول مسألة السيادة والحدود، ومهّد لفتح صفحة جديدة عنوانها الاعتراف المتبادل والتعاون وحسن الجوار.
في تلك الليلة، اختار الملك الراحل الحسن الثاني تجاوز خلافات الماضي، معلناً الاستعداد لطي صفحة المطالب المغربية بموريتانيا، وفتح أفق جديد للعلاقات بين البلدين، في خطوة عكست تغليب منطق الدولة وحسابات المستقبل على استمرار النزاع التاريخي.
وتقدم شهادة الدكتور عبد الهادي بوطالب، أحد أبرز رجال الدولة والدبلوماسية المغربية، في كتابه «نصف قرن في السياسة»، رواية تفصيلية عن الكواليس التي سبقت هذا التحول، كاشفة طبيعة الحوار الذي دار بين الرباط ونواكشوط، والصعوبات التي رافقت الانتقال من الخلاف السياسي إلى التفاهم بين البلدين.
ويروي بوطالب أن الملك الحسن الثاني عهد إليه باستقبال الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه ومرافقته خلال زيارته للمغرب للمشاركة في القمة الإسلامية، رغم أن الرباط لم تكن قد اعترفت حينها بموريتانيا دولة مستقلة.
وكان الملك، بحسب الشهادة ذاتها، يرى في حضور موريتانيا فرصة لتوسيع دائرة المشاركة في القمة، وهو ما اعتبره الرئيس ولد داداه مكسباً سياسياً مهماً، بالنظر إلى حساسية الخلاف القائم بين البلدين بشأن وضع موريتانيا وعلاقتها التاريخية بالمغرب.
غير أن تفاصيل الاستقبال عكست، في بدايتها، استمرار آثار التوتر؛ إذ يشير بوطالب إلى أن الملك الحسن الثاني اكتفى بمصافحة الرئيس الموريتاني دون معانقته، كما عهد إلى أحد أعوان القصر تقديم الحليب والتمر له، خلافاً لما جرت عليه العادة مع بقية الضيوف.
أربع ساعات من الحوار حول التاريخ والسيادة
لم يتوقف الأمر عند الرمزية البروتوكولية، بل انتقل إلى نقاش سياسي وتاريخي مباشر، بعدما كلف الملك الحسن الثاني بوطالب باستكشاف موقف الرئيس الموريتاني من مستقبل العلاقات بين البلدين، ومدى استعداده لبحث صيغ للتقارب أو الاندماج السياسي.
ويستعيد بوطالب تفاصيل لقاء جمعه بولد داداه على انفراد في مقر إقامته بالرباط، واستمر نحو أربع ساعات، دار خلاله نقاش معمق حول الروابط التاريخية بين المغرب وموريتانيا، وحدود توظيف تلك الروابط في تحديد طبيعة العلاقة السياسية بين البلدين.
وبحسب الرواية، تمسك الرئيس الموريتاني بموقف واضح، مفاده أن موريتانيا لم تكن جزءاً من التراب المغربي، وأن علاقاتها بالمغرب اتسمت تاريخياً بالتفاعل والتأثير المتبادل، في سياق تعاقب الدول والسلطات على المجال المغاربي والصحراوي.
كما رفض ولد داداه المقترحات التي ألمح إليها محاوره بشأن إمكان إقامة صيغة سياسية كونفدرالية أو فيدرالية، مفضلاً تثبيت استقلال بلاده وإقامة علاقات تقوم على التعاون والصداقة بين دولتين مستقلتين.
وأمام هذا الموقف، خلص بوطالب إلى أن الرئيس الموريتاني كان يتحدث من موقع سياسي مريح، بعدما أدرك أن مشاركة بلاده في القمة الإسلامية تعكس تحولاً مهماً في تعامل الرباط معها، وتفتح الباب أمام تجاوز مرحلة المطالب المتبادلة.
وعقب انتهاء اللقاء، توجه بوطالب إلى القصر الملكي لإطلاع الحسن الثاني على نتائج الحوار، واصفاً الرئيس الموريتاني بالصلابة والتمسك بتفسيره الخاص للتاريخ. وكان رد الملك، وفق الشهادة، تعبيراً عن إدراكه صعوبة الموقف الذي تواجهه الدبلوماسية المغربية.
«الأمور انتهت».. قرار سياسي بفتح صفحة جديدة
جاءت اللحظة الحاسمة خلال مأدبة العشاء التي أقامها الملك الحسن الثاني على شرف رؤساء الدول المشاركين في القمة الإسلامية، عندما جمعته المائدة نفسها بالرئيس الجزائري هواري بومدين وشاه إيران والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه.
ويقول بوطالب إن الملك استقبله خلال المأدبة، وأشار أمام الرئيس الموريتاني إلى الحوار الذي دار بينهما في وقت سابق، مستفسراً عن صعوبة النقاش. وبعد تبادل التعليقات بشأن طبيعة الحوار، أكد الملك الحسن الثاني أن لكل طرف وجهة نظره، قبل أن يعلن موقفه الحاسم قائلاً: «الأمور انتهت. سنفتح إن شاء الله صفحة أخوية جديدة مع الشقيقة موريتانيا».
لم تكن هذه العبارة مجرد مجاملة دبلوماسية في مناسبة دولية، بل عكست توجهاً سياسياً نحو إنهاء الخلاف الذي طبع العلاقات بين الرباط ونواكشوط، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الاعتراف باستقلال موريتانيا واحترام سيادتها، وتطوير العلاقات الثنائية بعيداً عن رهانات الماضي.
وقد أُعلن الاعتراف المغربي الرسمي بموريتانيا في سياق التحولات الدبلوماسية التي شهدتها سنة 1969، لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وإن لم تخلُ مسيرتها اللاحقة من التباينات والتحديات.
وتكشف شهادة بوطالب، المنشورة في الصفحات 200 إلى 204 من كتابه «نصف قرن في السياسة»، أن التحولات الكبرى في العلاقات الدولية لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها؛ فكثيراً ما تسبقها مفاوضات شاقة، وحوارات مباشرة، وقرارات سياسية تتطلب الانتقال من حسابات الخلاف إلى مقتضيات التعايش والمصالح المشتركة.
وهكذا، تحولت ليلة القمة الإسلامية بالرباط إلى محطة مفصلية في مسار العلاقات المغربية الموريتانية، حين اختار الطرفان فتح صفحة جديدة، واضعين أسس علاقة بين دولتين جارتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح، وتظل رهانات المستقبل فيها أكبر من خلافات الماضي.




