تجريم الإثراء غير المشروع يعود إلى الواجهة.. وعود حكومية تصطدم بأسئلة التعطيل وتضارب المصالح

أعادت الوعود الحكومية باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة ومحاربة الفساد، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، النقاش بشأن جدية الإرادة السياسية في الانتقال من الخطاب المعلن إلى إقرار آليات قانونية قادرة على محاسبة المتورطين في استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

ويرى متابعون للشأن السياسي المغربي أن هذه التعهدات تطرح أكثر من قراءة بشأن خلفياتها وتوقيتها؛ فبين من يعتبرها مؤشراً محتملاً على توجه نحو تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن يقرأها باعتبارها محاولة لتحسين صورة الحكومة وصرف الاهتمام عن الانتقادات الموجهة إلى أدائها، يظل الاختبار الحقيقي مرتبطاً بمدى استعداد السلطة التنفيذية لترجمة هذه الوعود إلى تشريعات واضحة وملزمة، بعيداً عن الحسابات السياسية الظرفية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري بشأن مصير مشروع القانون الذي سحبته حكومة عزيز أخنوش من البرلمان في نونبر 2021، والذي أثار قرار سحبه آنذاك انتقادات من أوساط سياسية وحقوقية. وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كانت فاطمة الزهراء المنصوري تتولى قيادته، كان ضمن التحالف الحكومي الذي تشكل بقيادة أخنوش، ما يعيد إلى الواجهة مسؤولية مكونات الأغلبية السابقة والحالية في تفسير أسباب تعثر هذا الورش التشريعي.
ولا يتعلق الأمر، وفق هذه القراءة، بمجرد استحضار قرار حكومي سابق، بل بمساءلة سياسية حول أسباب عدم استكمال مسار تشريعي يرتبط مباشرة بمكافحة الفساد وتعزيز الثقة في المؤسسات، خصوصاً أن تجريم الإثراء غير المشروع ظل موضوع نقاش متواصل بين الفاعلين السياسيين والحقوقيين، وسط تباينات بشأن الصيغة القانونية والضمانات المرتبطة بتطبيقه.
وتعود جذور هذا المسار إلى مشروع تعديل القانون الجنائي الذي أحالته حكومة عبد الإله بنكيران على البرلمان في يونيو 2016، متضمناً مقتضيات مرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع، قبل أن يتعثر بسبب خلافات سياسية حالت دون استكمال مساره. ومنذ ذلك الحين، ظل الملف أحد أبرز العناوين المؤجلة في النقاش العمومي حول تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد.
وتكتسب هذه القضية أبعاداً إضافية في ضوء المعطيات الواردة في تقرير الثروة لعام 2026 الصادر عن مجموعة «نايت فرانك» العالمية للاستشارات العقارية، والذي أشار إلى ارتفاع عدد كبار الأثرياء في المغرب، ممن تتجاوز ثرواتهم الصافية 30 مليون دولار، بنسبة 41.6 في ٪ بين عامي 2021 و2026.
ورغم أن ارتفاع عدد الأثرياء لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود إثراء غير مشروع أو فساد، فإن هذه المعطيات تعيد طرح أسئلة أوسع بشأن مصادر الثروة، وشفافية المعاملات الاقتصادية، وفعالية آليات المراقبة والمساءلة، ومدى قدرة المنظومة القانونية على التمييز بين التراكم المشروع للثروة والمكاسب الناتجة عن استغلال النفوذ أو تضارب المصالح.
كما أن التعهد بتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات يفتح النقاش أمام ضرورة بناء منظومة متكاملة لا تقتصر على العقوبات، بل تشمل الوقاية من تضارب المصالح، وتفعيل التصريح بالممتلكات، وضمان نجاعة أجهزة الرقابة، وتوفير شروط تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وفي المحصلة، فإن الرهان لا يكمن في تجديد الالتزامات السياسية بمحاربة الفساد بقدر ما يرتبط بالإجابة عن سؤال جوهري: هل تتجه الحكومة إلى إغلاق أحد الملفات التشريعية العالقة منذ سنوات، أم أن تجريم الإثراء غير المشروع سيظل عنواناً متجدداً في الخطاب السياسي، من دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ؟
فالمصداقية في هذا الملف لن تُقاس بقوة التصريحات أو جاذبية الوعود، وإنما بوضوح النصوص القانونية، واستقلالية آليات المراقبة، والقدرة على إخضاع المسؤولين والمنتخبين وسائر الفاعلين للقواعد نفسها، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.




