أخبار و حوادثقضايا و آراء

لكويرة بين الجدل الإعلامي وواقع الشراكة الاستراتيجية المغربية الموريتانية

أعاد تقرير نشرته مجلة «جون أفريك» الفرنسية، الأحد 18 أكتوبر، بشأن مدينة لكويرة المتاخمة لنواذيبو، إحياء نقاش حول ترسيم الحدود بين المغرب وموريتانيا، واضعًا المنطقة في قلب سجال إعلامي وسياسي لا تعكس حدته، بالضرورة، طبيعة العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين الرباط ونواكشوط.

التقرير، الذي وقعه الصحافي فريد البحري تحت عنوان «بين الصحراء والمحيط.. مدينة لكويرة المغربية الصغيرة تثير اهتمام موريتانيا»، استند إلى معطيات تاريخية وجغرافية، دون أن يقدم ما يثبت وجود مطالبة موريتانية رسمية جديدة بالسيادة على المنطقة. ويستند النقاش أساسًا إلى ما أورده تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مطلع أكتوبر الجاري، بشأن اقتراح موريتاني لتشكيل لجنة توافقية لتوضيح الحدود الدولية النهائية للإقليم خلال مفاوضات مدريد.

غير أن توضيح الحدود مسألة تختلف جوهريًا عن المطالبة بالسيادة على الأراضي، وهو ما يجعل الانتقال من طرح تقني وتفاوضي إلى الحديث عن نزاع وشيك قفزة في الاستنتاج لا تسندها، في المعطيات المتاحة، مواقف رسمية معلنة من نواكشوط.

وقد اتسع الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا بين الضابط السابق أحمدو ولد امبارك والكاتب الحسن ولد ماديك. ففي حين رأى الأول في المقترح فرصة لإعادة طرح مسألة لكويرة، وربط الوضع القائم باعتبارات أمنية واستراتيجية تخص ميناء نواذيبو، رفض الثاني منطق التهديد، محذرًا من تغليب فرضيات المواجهة على حساب المصالح المشتركة والروابط التاريخية بين البلدين.

لكن أهمية هذا السجال لا تكمن في حدته، بقدر ما تكشفه عن الفارق بين القراءات الفردية ومسار العلاقات الرسمية. فالمؤشرات السياسية والاقتصادية والأمنية توحي بأن الرباط ونواكشوط تعملان على توسيع مجالات التعاون، لا على فتح جبهة خلاف جديدة.

ويبرز في هذا السياق الاتفاق المعلن في الرباط يوم 21 سبتمبر الماضي بشأن توسعة وإعادة تأهيل الطريق الرابط بين نواكشوط ونواذيبو، على امتداد يقارب 480 كيلومترًا، إلى جانب التعاون في الربط الكهربائي والطاقة والبنية التحتية والاستثمار. وهي مشاريع تتجاوز أبعادها الخدماتية لتدعم الربط اللوجستي والتبادل التجاري وتعزز موقع موريتانيا بوصفها حلقة وصل بين المغرب وأسواق غرب إفريقيا.

وعلى المستوى الأمني، يعكس اللقاء الذي جمع القيادتين العسكريتين الموريتانية والمغربية في مراكش، يوم 8 أكتوبر، استمرار التنسيق الدفاعي في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة. وتكتسب هذه الدينامية أهميتها من الإرادة السياسية المعلنة لدى قيادتي البلدين لتطوير الشراكة وتعزيز الاستقرار في منطقة تتزايد فيها التحديات الأمنية والاقتصادية.

بين الجغرافيا التي تستحضر خلافات الماضي والسياسة التي تبني مصالح المستقبل، تظل لكويرة اختبارًا لمدى القدرة على الفصل بين النقاش الإعلامي والحسابات الرسمية. فإثارة الأسئلة التاريخية لا تعني بالضرورة نشوء أزمة سيادية، كما أن الحديث عن الحدود لا يكفي وحده لإثبات وجود توجه نحو إعادة رسمها.

وعليه، فإن القراءة الأكثر اتزانًا تقتضي التمييز بين سجال إعلامي قابل للتصعيد وبين موقف رسمي لم تثبت المعطيات المتاحة أنه تبنى مطالبات جديدة. أما مستقبل العلاقات المغربية الموريتانية، فسيظل رهينًا بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الحساسة بالحوار والتوافق، وصون المصالح المشتركة من تأويلات قد تحول النقاش التاريخي إلى توتر سياسي لا يخدم استقرار المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة