قضايا و آراء

مصر والسعودية في مواجهة اليمن: حسابات الأمن وحدود التدخل العسكري

موقع رأى اليوم +وكالات

أرشيف

بين الالتزامات العربية وهاجس الاستنزاف، يضع احتمال التدخل العسكري المصري في اليمن القاهرة أمام اختبار استراتيجي يستحضر دروس الماضي ويطرح أسئلة المستقبل.

يثير احتمال منح مجلس النواب المصري تفويضًا للرئيس عبد الفتاح السيسي لاتخاذ إجراءات عسكرية دفاعًا عن السعودية، عند طلبها، جملة من التساؤلات بشأن طبيعة الدور المصري في معادلات الأمن الإقليمي، وحدود الالتزام الاستراتيجي تجاه الرياض، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالملف اليمني. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تضامن سياسي بين دولتين، بل باحتمال انتقال هذا التضامن إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع حركة أنصار الله، وما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية واقتصادية وجيوسياسية.

من الناحية الدستورية، يشكل اللجوء إلى البرلمان إطارًا مؤسسيًا لتوفير الغطاء القانوني لأي تحرك عسكري خارج الحدود. غير أن التفويض، إن صدر، لا يعني بالضرورة إعلان الحرب أو اتخاذ قرار فوري بالتدخل؛ إذ يظل الفرق قائمًا بين امتلاك الصلاحية السياسية والقانونية وبين تفعيلها ميدانيًا. وهنا تبرز أهمية تحديد طبيعة المهمة المحتملة، وحدودها الجغرافية والزمنية، وأهدافها العسكرية، والضمانات التي تحول دون اتساع نطاق المواجهة.

وتكتسب هذه المعادلة حساسية إضافية بالنظر إلى التجربة المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، حين تحوّل التدخل الذي بدأ دعمًا للجمهوريين إلى حرب طويلة استنزفت جانبًا مهمًا من القدرات العسكرية والموارد الاقتصادية المصرية، في سياق إقليمي شديد التعقيد. ولا يعني استحضار هذه التجربة أن التاريخ سيتكرر بالضرورة، لكنه يفرض التعامل بحذر مع الفارق بين التدخل المحدود والانخراط في صراع مفتوح يصعب التحكم في مساراته ومآلاته.

في المقابل، يستند أنصار دعم السعودية إلى اعتبار أمن الخليج امتدادًا للأمن القومي العربي، وإلى الروابط السياسية والاقتصادية والتاريخية بين القاهرة والرياض. لكن هذا التصور يطرح بدوره سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن ترجمة التضامن العربي إلى ترتيبات أمنية جماعية واضحة، بدلًا من ترك الدول أمام قرارات منفردة قد تترتب عليها تكاليف غير متكافئة؟ كما أن التساؤل عن دور التحالفات الإقليمية، ومدى استعداد أطرافها لتحمل مسؤولياتها، يظل حاضرًا في تقييم الخيارات المصرية.

داخليًا، لا يمكن فصل أي قرار عسكري محتمل عن الأولويات الاقتصادية والتنموية التي تواجه مصر، ولا عن التحديات الاستراتيجية الأخرى، وفي مقدمتها الأمن المائي. فبينما يرى مؤيدو التدخل أن حماية السعودية تعزز الاستقرار الإقليمي وتدعم المصالح المصرية، يحذر المعترضون من استنزاف الموارد البشرية والمالية في نزاع قد تطول مدته وتتعدد أطرافه. ويعكس هذا التباين صراعًا بين تصورين للأمن القومي: أحدهما يربطه بالتضامن الإقليمي، والآخر يشدد على ترتيب الأولويات الداخلية وتجنب الانخراط العسكري غير المحسوب.

في المحصلة، لا يتوقف التحدي أمام القاهرة عند سؤال المشاركة العسكرية من عدمها، بل يمتد إلى طبيعة الدور الذي تريد أداءه في المنطقة، والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها هذا الدور. فنجاح أي سياسة دفاعية لا يُقاس بمجرد الاستجابة لحليف، وإنما بقدرتها على حماية المصالح الوطنية، وتقليل مخاطر التصعيد، وتجنب تكرار تجارب الاستنزاف. وبين واجب التضامن ومقتضيات الحساب الاستراتيجي، تبقى الحكمة في وضوح الأهداف، ودقة تقدير الكلفة، وإدراك أن القرارات العسكرية لا تبدأ آثارها مع إطلاق النار، بل منذ اللحظة التي يُفتح فيها باب الالتزام بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة