اختفاء قطاع الاتصال من الحكومة المغربية الجديدة.. هل يمهّد لإعادة النظر في تدبير الإعلام والسينما والسمعي البصري؟

يثير غياب قطاع الاتصال عن تشكيلة الحكومة المغربية الجديدة تساؤلات بشأن مستقبل السياسات العمومية المرتبطة بالإعلام والسينما والاتصال السمعي البصري، ومدى إمكانية أن يشكل هذا التحول مدخلاً لإعادة تقييم آليات تدبير هذه المجالات، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والتحديات المتزايدة التي تواجه المشهد الإعلامي والثقافي بالمغرب.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في الهيكلة الحكومية أو إعادة توزيع للاختصاصات، بقدر ما يطرح أسئلة أعمق حول موقع الاتصال داخل السياسات العمومية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الإعلامية، فضلاً عن مستقبل الحكامة في القطاعات المرتبطة بالإنتاج السينمائي والسمعي البصري.
فقطاع الاتصال، بما يرتبط به من ملفات تشريعية وتنظيمية ومهنية، ظل يشكل إحدى الواجهات الأساسية لتدبير قضايا الإعلام، والتفاعل مع التحولات التي يعرفها المجال الصحفي، إلى جانب الإشراف على عدد من الأوراش المرتبطة بتطوير المنظومة الإعلامية الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب القطاع بصيغته الحكومية السابقة يفتح المجال أمام تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى تنسيق هذه الملفات، ومدى وضوح توزيع الاختصاصات بين القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، بما يضمن استمرارية السياسات العمومية وتفادي تشتت المسؤوليات.
إعادة الهيكلة أم مراجعة نموذج التدبير؟
إن الرهان الأساسي لا يكمن في استحداث قطاع حكومي مستقل أو الاستغناء عنه، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة الهيكلة الجديدة على إرساء نموذج أكثر وضوحاً وفعالية في تدبير الإعلام والسينما والسمعي البصري. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي تحول مؤسساتي يظل مرتبطاً بوضوح الاختصاصات، وتكامل الأدوار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تقييم السياسات المعتمدة في مجال الإعلام، ومدى استجابتها للتحولات التي فرضتها المنصات الرقمية وتغير أنماط استهلاك الأخبار والمضامين السمعية البصرية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالاستدامة الاقتصادية للمقاولات الصحفية، وتحسين ظروف الممارسة المهنية، وتطوير منظومة التكوين والتأهيل.
أما في المجال السينمائي، فإن النقاش يتجاوز مسألة الإشراف الإداري إلى ضرورة التفكير في نجاعة آليات الدعم، وتطوير الصناعة الثقافية، وتعزيز تنافسية الإنتاج الوطني، وتوسيع فرص التوزيع والترويج للأعمال المغربية داخل البلاد وخارجها.
السمعي البصري ورهان الحكامة والتنسيق
ويكتسي قطاع الاتصال السمعي البصري بدوره أهمية خاصة، بالنظر إلى تعدد الفاعلين والمؤسسات المتدخلة فيه، واختلاف طبيعة الأدوار التنظيمية والتدبيرية التي يضطلع بها كل طرف. وهو ما يجعل أي تغيير في البنية الحكومية مدعواً إلى توضيح حدود الاختصاصات وضمان الانسجام بين السياسات العمومية والمهام التنظيمية المستقلة.
كما أن التحولات التكنولوجية المتلاحقة تفرض مراجعة مستمرة للأطر القانونية والتنظيمية، بما يواكب تطور المنصات الرقمية، ويستجيب لمتطلبات المنافسة والابتكار، مع الحفاظ على التعددية الإعلامية وجودة المضامين واحترام القواعد المهنية.
أسئلة مفتوحة حول مستقبل قطاع الاتصال
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار غياب قطاع الاتصال، في حد ذاته، دليلاً على توجه حكومي نحو مراجعة شاملة لسياسات الإعلام والسينما والسمعي البصري. فالأمر يظل مرتبطاً بطبيعة توزيع الاختصاصات في الهيكلة الجديدة، وبالقرارات العملية التي ستترجم هذا التغيير إلى تدابير وبرامج واضحة.
وبين احتمال إعادة تنظيم الاختصاصات داخل قطاعات حكومية أخرى، وإمكانية إطلاق مراجعة أوسع لآليات تدبير هذه المجالات، يبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كانت المرحلة الجديدة ستكتفي بتغيير البنية الإدارية، أم ستتجه نحو تقييم أعمق للسياسات العمومية ذات الصلة.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الإعلام والسينما والاتصال السمعي البصري بالمغرب لن يتحدد بمجرد وجود قطاع حكومي مستقل أو غيابه، بل بمدى قدرة النموذج المؤسساتي المعتمد على ضمان وضوح المسؤوليات، وتحسين الحكامة، والاستجابة للتحولات المهنية والتكنولوجية، بما يعزز دور هذه القطاعات في التنمية الثقافية والديمقراطية وفي بناء إعلام وطني قادر على مواكبة رهانات المرحلة.




