ما بعد كيدال: تحولات جديدة في المشهد العسكري بشمال مالي

استعادت القوات المالية السيطرة على كيدال، لكن المعركة التي تدور في شمال البلاد لم تنتهِ. فخلف المشهد العسكري تبرز حرب مختلفة: مسيّرات تركية، دعم روسي، تكنولوجيا ذات أصل إيراني، وجماعات مسلحة تعيد ترتيب تكتيكاتها بعيداً عن المدن.

لم تعد كيدال مجرد مدينة متنازع عليها في أقصى شمال مالي. عودتها إلى سيطرة القوات الحكومية تكشف تحولاً أوسع في طبيعة الحرب، حيث لم يعد التفوق العسكري يقاس بعدد المدن التي تسقط بيد طرف أو آخر، بل بالقدرة على الاحتفاظ بها وتأمين الطرق المؤدية إليها ومنع الخصوم من إعادة تنظيم صفوفهم في الصحراء.
في السادس من أكتوبر، أعلنت جبهة تحرير أزواد انسحاباً وصفته بالمنظم من كيدال، بينما أعلنت باماكو دخول قواتها إلى المدينة بدعم من عناصر روسية. وبين الروايتين، تبرز حقيقة واحدة: كيدال عادت إلى قلب المعادلة العسكرية والسياسية في مالي.
كيدال.. انتصار رمزي لا يكفي
تمثل كيدال أكثر من موقع استراتيجي. فالمدينة واحدة من أبرز رموز القضية الأزوادية، والسيطرة عليها تحمل وزناً سياسياً يتجاوز قيمتها العسكرية.
لكن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن السيطرة على المدن لا تعني بالضرورة إخضاع المناطق المحيطة بها. فالمجال الصحراوي المفتوح، وطول خطوط الإمداد، وتشابك الحدود، كلها عوامل تمنح الجماعات المسلحة قدرة على التحرك خارج المراكز الحضرية وتنفيذ هجمات تستنزف القوات الحكومية.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد دخول القوات المالية إلى كيدال ليس: من يسيطر على المدينة؟ بل: من يستطيع البقاء فيها؟
حرب المسيّرات تبدأ من السماء
التحول الأكثر وضوحاً في الحرب المالية يجري فوق الأرض.
فالجيش المالي عزز خلال السنوات الأخيرة قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، خصوصاً عبر المسيّرات التركية Bayraktar TB2 وAkıncı، التي أصبحت جزءاً من أدوات الاستطلاع والاستهداف في المناطق الشمالية.
وفي المقابل، عززت روسيا حضورها العسكري في مالي عبر «الفيلق الأفريقي»، الذي أصبح الإطار الرئيسي للدعم الروسي بعد مرحلة مجموعة فاغنر.
أما الحديث عن المسيّرات الإيرانية، فيحتاج إلى قدر من الدقة. فالمعلومات المتاحة تشير إلى استخدام منظومات من عائلة Shahed-136/Geran ذات التصميم الإيراني، بما في ذلك نسخ تنتجها روسيا، وليس إلى مشاركة مباشرة لطائرات إيرانية مأهولة في معارك كيدال.
والنتيجة أن سماء شمال مالي أصبحت مختبراً لتداخل مصادر التكنولوجيا العسكرية: تصميمات إيرانية، إنتاج روسي، مسيّرات تركية، وقوات مالية تنفذ العمليات على الأرض.
عندما تلتقي أزواد والجهادية
التطور الأكثر إثارة للقلق لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بتغير طبيعة الاصطفافات على الأرض.
فجبهة تحرير أزواد، التي تنطلق من مشروع قومي مرتبط بمستقبل شمال مالي، وجدت نفسها في بعض المراحل أمام تقاطعات ميدانية مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.
هذا لا يعني تطابق الأهداف أو المشاريع. لكن الحرب فرضت على خصوم مختلفين نقاط التقاء ضد القوات الحكومية، ما جعل المشهد الأمني أكثر تعقيداً، ووسّع دائرة التهديد خارج حدود النزاع التقليدي بين باماكو والحركات الأزوادية.
وهنا تتداخل حربان في ساحة واحدة: نزاع على مستقبل شمال مالي، وصراع جهادي عابر للمناطق والحدود.
من السيطرة على المدن إلى حرب الاستنزاف
قد تكون القوات المالية وحلفاؤها قد امتلكوا أدوات أكثر تطوراً لضرب أهداف بعيدة ومراقبة مناطق واسعة، لكن الجماعات المسلحة لا تحتاج إلى السيطرة على المدن حتى تستمر في القتال.
فالكمائن، واستهداف القوافل، وضرب خطوط الإمداد، والتحرك في المناطق الصحراوية، كلها أساليب تسمح بتحويل التفوق العسكري الحكومي إلى معركة استنزاف طويلة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت الدولة أكثر قدرة على ضرب خصومها من الجو، ازدادت أهمية قدرتها على تأمين الأرض بعد الضربة.
ماذا بعد كيدال؟
ستكون المرحلة المقبلة أكثر أهمية من لحظة دخول المدينة.
إذا نجحت باماكو في تثبيت وجودها العسكري، وتأمين الطرق، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة التموضع في المناطق المحيطة، فقد تصبح كيدال نقطة ارتكاز لتوسيع نفوذ الدولة في الشمال.
أما إذا بقي الوجود الحكومي محصوراً داخل المدينة، فقد تتحول السيطرة عليها إلى مكسب رمزي من دون تغيير جذري في ميزان الحرب.
كما أن تهديد الجماعات الجهادية لا يرتبط بكيدال وحدها؛ فامتداد نشاطها إلى وسط مالي ومناطق أخرى يعني أن استعادة المدينة لا تعالج بمفردها الأزمة الأمنية الأوسع.
المعركة التي لا تحسمها المسيّرات
تكشف كيدال عن حقيقة أكبر من تفاصيل المعركة نفسها: الحرب في مالي دخلت عصر التكنولوجيا، لكنها لم تغادر عصر السياسة.
فالمسيّرات تستطيع تدمير هدف، والطائرات تستطيع تغيير ميزان معركة، والقوات البرية تستطيع استعادة مدينة، لكن أياً من هذه الأدوات لا يستطيع وحده معالجة جذور النزاع في شمال البلاد.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح باماكو بعدد المدن التي تستعيدها، بل بقدرتها على تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار أمني وحضور سياسي وتسوية تعالج أسباب الصراع.
فكيدال قد تكون عادت إلى خريطة السيطرة الحكومية، لكن مستقبل شمال مالي لا يزال مفتوحاً على أكثر من سيناريو.
المعركة الحقيقية لم تعد فقط على كيدال، وإنما على ما سيأتي بعدها.




