اتهامات غير مسبوقة في قلب الحملة الانتخابية.. متى يتحول السجال السياسي إلى قضية للمساءلة؟

لم تعد الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر تدور فقط حول البرامج الانتخابية والحصيلة الحكومية والوعود المقدمة للناخبين، بعدما اتسعت دائرة المواجهة السياسية لتشمل اتهامات بالمال الانتخابي، وتدبير المال العام، واستعمال النفوذ، واستغلال المعطيات الشخصية، بل وبلغت حد الحديث عن صلات مفترضة بتجارة المخدرات.

وتضع هذه التصريحات، التي صدرت عن مرشحين وقيادات حزبية خلال تجمعات ولقاءات انتخابية، حدود الخطاب السياسي أمام اختبار دقيق، خصوصا عندما تتضمن ادعاءات بشأن وقائع محددة يمكن التحقق منها، وقد تترتب عنها، في حال ثبوتها، مسؤوليات قانونية تتجاوز الحسابات الانتخابية.
المخدرات والانتخابات.. اتهامات تفتح باب البحث القضائي
كان ملف المخدرات وتمويل الانتخابات من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الحملة، بعد تصريحات مصطفى الإبراهيمي، المرشح عن حزب العدالة والتنمية، بشأن وجود 270 طنا من المخدرات، وربطه العائدات المفترضة لهذه التجارة بتمويل الترشيحات والانتخابات.
خطورة هذه التصريحات دفعت الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة إلى فتح بحث قضائي للوقوف على مدى صحة المعطيات التي تضمنتها، وما إذا كانت تستند إلى وقائع قابلة للإثبات.
وفي الاتجاه نفسه، تحدث العربي المحرشي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، عن وجود مرشحين قال إن لهم صلات بتجارة المخدرات ويتمتعون بالحماية.
غير أن هذه التصريحات، في غياب نتائج الأبحاث أو صدور أحكام قضائية، تظل في إطار الادعاءات السياسية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة. وتبقى مهمة التحقق من صحتها من اختصاص المؤسسات القضائية والأجهزة المختصة.
المال العام يدخل على خط المواجهة
ولم تتوقف المواجهة الانتخابية عند مصادر تمويل الحملات، إذ انتقل الجدل إلى طريقة تدبير المال العام وحصيلة الإجراءات الحكومية الرامية إلى حماية القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، تحدث فوزي لقجع عن إنفاق حكومي يناهز 280 مليار درهم في إطار التدابير المتخذة لحماية القدرة الشرائية، وهو رقم دفع إدريس الأزمي الإدريسي إلى المطالبة بمزيد من المساءلة بشأن أوجه صرف هذه الاعتمادات والنتائج التي حققتها الإجراءات الحكومية المرتبطة بها.
ويكتسي هذا النوع من السجال أهمية خاصة في ظل اقتراب موعد الاقتراع، إذ يتحول تقييم السياسات العمومية وحجم الإنفاق الحكومي إلى إحدى أدوات التنافس السياسي، بين من يقدم الأرقام باعتبارها مؤشرا على حجم التدخل العمومي، ومن يطالب بتدقيق أكبر في مردودية هذا الإنفاق ونتائجه.
المعطيات الشخصية.. ملف انتخابي بطابع قانوني
ومن الملفات التي أثارت بدورها جدلا واسعا، الاتهامات المتعلقة باستعمال المعطيات الشخصية للمستفيدين من برامج عمومية لأغراض انتخابية.
فقد اتهم هشام المهاجري جهات مرتبطة بتدبير برنامج «فرصة» باستغلال بيانات شخصية للمستفيدين في سياق انتخابي، مشيرا إلى معطيات تخص نحو 200 ألف شاب.
وإذا ما ثبتت هذه الادعاءات، فإن القضية لن تظل محصورة في نطاق التراشق الحزبي، بالنظر إلى ما قد تثيره من أسئلة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وحدود استخدام قواعد بيانات المستفيدين من البرامج العمومية، فضلا عن مبدأ حياد الإدارة والموارد العمومية خلال المنافسة الانتخابية.
اتهامات تجارية وعودة ملف شراء الأصوات
حتى الملفات ذات الطابع التجاري لم تسلم من تداعيات الحملة الانتخابية، بعدما اتهم لحسن السعدي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، عبد الرحيم بنضو، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، ببيع «الجبن الفاسد» للمغاربة.
وبقدر ما يرتبط هذا الاتهام بواقعة تجارية محددة، فإن التحقق من صحتها يظل من اختصاص الجهات الإدارية والقضائية المعنية، مع احتفاظ الطرف المعني بحقه في الرد والدفاع عن نفسه.
وفي المقابل، عاد موضوع شراء الأصوات واستعمال المال الانتخابي إلى واجهة الخطاب السياسي، في ظل تبادل اتهامات بين عدد من المرشحين والأحزاب بشأن تقديم الأموال أو المنافع بهدف التأثير في اختيارات الناخبين.
غير أن جزءا من هذه الاتهامات بقي في مستوى الخطاب السياسي العام، من دون تقديم معطيات أو أدلة معلنة تتيح التحقق المستقل منها.
«الأحرار» و«البام».. خلاف داخل الأغلبية
من أبرز مظاهر التصعيد أيضا، المواجهة المتزايدة بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، وهما الحزبان المشاركان في الأغلبية الحكومية.
فقد تبادل الطرفان اتهامات بشأن استقطاب المنتخبين والمرشحين واستعمال النفوذ، بالتزامن مع تسجيل تحولات في مواقف عدد من المنتخبين ودعمهم لمرشحين ينتمون إلى أحزاب منافسة.
وتغيير المواقف السياسية أو الانتخابية لا يشكل، في حد ذاته، مخالفة، غير أن الإشكال يبرز عندما تقترن عمليات الاستمالة، بحسب الادعاءات المتداولة، بأموال أو وعود بمنافع أو باستعمال النفوذ والموارد العمومية.
وهنا تحديدا تنتقل المسألة من مجرد مناورة انتخابية إلى ادعاءات يمكن أن تستدعي التحقق من الجهات المختصة، إذا توفرت عناصر جدية بشأنها.
أين ينتهي السجال السياسي وتبدأ المساءلة؟
تضع هذه التطورات النيابة العامة والمؤسسات المختصة أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن التمييز بين الخطاب السياسي الحاد، الذي يبقى جزءا من المنافسة الانتخابية، وبين تصريحات تتضمن وقائع محددة قد تحمل أبعادا جنائية؟
وفي هذا السياق، أعلنت النيابة العامة فتح بحث بشأن تصريحات مصطفى الإبراهيمي المتعلقة بتمويل الانتخابات بأموال مرتبطة بالمخدرات، كما باشرت بحثا في واقعة أخرى تتعلق باستعمال مكبر صوت تابع لمسجد للدعوة إلى لقاء حزبي.
أما بالنسبة إلى عدد من الاتهامات الأخرى التي ظهرت خلال الحملة، والمتعلقة بالمخدرات أو استغلال المعطيات الشخصية أو استعمال المال والنفوذ للتأثير في الناخبين، فلم يُعلن، وفق المعطيات الواردة، عن إجراءات مماثلة بشأنها.
ولا يعني غياب إعلان عن فتح أبحاث في هذه الملفات بالضرورة وجود التزام قانوني بفتح تحقيق بشأن كل تصريح يصدر خلال الحملة، إذ يظل تقدير مدى توفر عناصر تستدعي التدخل من اختصاص الجهات المختصة، كما تختلف طبيعة الوقائع والمعطيات من ملف إلى آخر.
اختبار حقيقي لنزاهة المنافسة الانتخابية
تكشف حدة الاتهامات المتبادلة خلال هذه الحملة عن تحول لافت في طبيعة الخطاب الانتخابي، بعدما انتقل جزء منه من التنافس حول البرامج والسياسات إلى التشكيك في مصادر الأموال، ونزاهة بعض المرشحين، وطريقة تدبير الموارد العمومية، واستعمال البيانات والنفوذ.
وبينما تبقى الاتهامات غير المثبتة مجرد ادعاءات لا يمكن مساواتها بالحقائق القضائية، فإن خطورتها تكمن في قدرتها على التأثير في صورة العملية الانتخابية وثقة الناخبين.
ومن هنا تبرز أهمية أن تسلك الادعاءات التي تتضمن وقائع محددة قابلة للتحقق مسارها المؤسساتي الطبيعي، عبر تقديم ما يتوفر بشأنها من معطيات إلى الجهات المختصة، بدل بقائها مادة للتراشق السياسي خلال الحملات الانتخابية.
وفي انتظار ما قد تسفر عنه الأبحاث المعلنة، تبقى القاعدة الأساسية هي أن الاتهام لا يساوي الإدانة، وأن الحسم في الوقائع ذات الطبيعة الجنائية لا يتم عبر المنصات الانتخابية، وإنما من خلال المؤسسات المخولة قانونا بالتحقيق والفصل.
لكن المؤكد أن دخول قضايا المخدرات والمال العام والمال الانتخابي واستعمال النفوذ والمعطيات الشخصية إلى صلب المنافسة السياسية يجعل سقف المسؤولية أعلى من مجرد تسجيل نقاط انتخابية. فالأمر يتعلق، في نهاية المطاف، بنزاهة الاستحقاق الانتخابي وبمدى ثقة المواطنين في المؤسسات وقدرتها على التعامل مع الادعاءات الخطيرة بالمعايير القانونية نفسها، بعيدا عن الاصطفافات الحزبية والحسابات الانتخابية.




