أخفنير أمام مفترق الطرق.. ثروة بيئية هائلة ومشروع كورنيش يثير الجدل

عاد مستقبل التنمية المحلية بجماعة أخفنير بإقليم طرفاية إلى واجهة النقاش، عقب انعقاد دورة استثنائية للمجلس الجماعي شهدت رفض اتفاقية شراكة تتعلق بتهيئة كورنيش البلدة، وهو المشروع الذي يُنظر إليه محلياً باعتباره إحدى الآليات الممكنة لإعادة تأهيل الواجهة البحرية وتحويلها إلى رافعة للاستثمار والتنشيط الاقتصادي.

وأعاد هذا القرار طرح أسئلة أوسع بشأن مسار المخطط التنموي المندمج للجماعة، ومدى قدرة المجلس والفاعلين المحليين على تحويل المؤهلات الطبيعية التي تتوفر عليها أخفنير إلى مشاريع اقتصادية واجتماعية مستدامة، خصوصاً في ظل محدودية النشاط الاقتصادي واستمرار هجرة جزء من شباب المنطقة بحثاً عن فرص أفضل.
ثروة بيئية تتجاوز الإمكانات المحلية
تتميز أخفنير بخصوصية بيئية نادرة، بالنظر إلى احتضان ترابها جزءاً كبيراً من المنتزه الوطني لأخنيفيس، الذي يشكل واحداً من أبرز المجالات الطبيعية ذات القيمة الإيكولوجية على الساحل الأطلسي.
وتزداد أهمية المنطقة بوجود موقع مصنف ضمن اتفاقية رامسار الخاصة بالمناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية، إلى جانب بحيرة النعيلة التي تشكل فضاءً بيئياً مهماً للطيور المهاجرة، وتمنح المنطقة إمكانات واعدة في مجال السياحة البيئية ومراقبة الطيور واستكشاف الطبيعة.
كما يجتمع داخل المجال الطبيعي للمنتزه أكثر من نظام بيئي، يجمع بين المجال البحري والبحيرات والمناطق القارية الصحراوية، بما يخلق تنوعاً طبيعياً ومناظر تمتد من الكثبان الرملية إلى السبخات والمسطحات المائية.
وتشكل سبخة تازغة بدورها أحد مكونات هذا الرصيد الطبيعي، إذ تمتد على مساحة تقارب 830 هكتاراً، بينها مساحات مخصصة لإنتاج الملح، بما يجعلها جزءاً من الموارد الطبيعية التي يمكن إدماجها ضمن تصور اقتصادي يحافظ على خصوصيتها البيئية ويستفيد من قيمتها الإنتاجية والسياحية.
مؤهلات كبيرة مقابل خصاص تنموي
المفارقة الأساسية في وضع أخفنير تكمن في اتساع الفجوة بين حجم المؤهلات المتاحة وضعف الاستفادة الاقتصادية منها.
فالجماعة لا تزال تواجه إكراهات مرتبطة بالبنيات الأساسية، من بينها محدودية شبكات التطهير السائل، وضعف الإنارة العمومية، والحاجة إلى تحسين الطرق وتدبير النفايات، إضافة إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها الشريط الساحلي، خاصة خلال فترات ارتفاع النشاط السياحي الموسمي.
ولا يختلف الوضع كثيراً على المستوى الاقتصادي، إذ تظل الأنشطة المحلية محدودة وغير قادرة على إنتاج دينامية اقتصادية مستقرة. كما يعتمد جزء من النشاط التجاري على حركة العابرين عبر الطريق الوطنية رقم 1، في وقت لا يزال فيه الصيد التقليدي والرعي وتربية الماشية يواجهان تحديات مرتبطة بضعف المواكبة وتقلب الظروف المناخية وتوفر الموارد المائية.
ويترتب عن هذا الوضع انعكاس اجتماعي وديموغرافي واضح، يتمثل في محدودية فرص العمل وضعف قدرة المنطقة على الاحتفاظ بالشباب، الأمر الذي يجعل الهجرة نحو المراكز الحضرية المجاورة أحد الخيارات المطروحة أمام فئات واسعة من السكان.
الكورنيش.. مشروع يتجاوز البعد الجمالي
في هذا السياق، لا تبدو تهيئة كورنيش أخفنير مجرد عملية لإعادة ترتيب الواجهة البحرية أو تحسين المشهد الحضري، بل يمكن أن تشكل، في حال تنفيذها ضمن تصور متكامل، مدخلاً لإعادة بناء النشاط الاقتصادي المحلي.
فالواجهة الساحلية قادرة على احتضان أنشطة مرتبطة بالسياحة البيئية والصحراوية، وتوفير فضاءات ملائمة للاستثمار في الإيواء والمطاعم والخدمات والمقاهي ومرافق الاستراحة، بما يسمح بتحويل مرور الزوار من نشاط عابر إلى إقامة اقتصادية تستفيد منها المنطقة وساكنتها.
كما يمكن لمثل هذا المشروع أن يخلق سلسلة من الأنشطة المرتبطة به، وبالتالي توفير فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، خصوصاً لفائدة الشباب، فضلاً عن تعزيز جاذبية الجماعة أمام المستثمرين والفاعلين في المجال السياحي.
وتكتسب اتفاقية الشراكة المطروحة أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية الموارد المالية للجماعة، إذ تتيح الشراكات تعبئة إمكانات خارج الميزانية المحلية لإنجاز مشاريع تفوق قدرة الجماعة على التمويل الذاتي.
من الخلاف السياسي إلى سؤال الأولويات
وبعيداً عن المواقف السياسية المتباينة داخل المجلس الجماعي، فإن جوهر النقاش الذي أفرزته الدورة الاستثنائية يرتبط بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على الحفاظ على استمرارية المشاريع ذات الأولوية، وربط القرارات المتخذة بالحاجيات الفعلية للسكان.
فالاختلاف حول مشروع تنموي يظل أمراً مشروعاً داخل المؤسسات المنتخبة، غير أن أهمية المشاريع الكبرى تفرض أن تكون المواقف المرتبطة بها مؤسسة على معطيات واضحة وتعليلات قابلة للنقاش، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروع يرتبط بتأهيل المجال وخلق فرص الاستثمار وتحسين جاذبية المنطقة.
كما أن المخطط التنموي المندمج للجماعة يفترض أن يشكل مرجعية في ترتيب الأولويات وتحديد المشاريع القادرة على معالجة الاختلالات القائمة، وليس مجرد وثيقة للتخطيط تبقى بعيدة عن التنفيذ.
أخفنير أمام اختبار التنمية
تملك أخفنير ما يكفي من المؤهلات الطبيعية والموقع الجغرافي لتتحول إلى نموذج محلي في السياحة البيئية والتنمية المستدامة، غير أن الانتقال من الإمكانات إلى النتائج يتطلب رؤية واضحة، وتنسيقاً بين الجماعة والسلطات والقطاعات الحكومية والجهة والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني.
ومن هذا المنظور، فإن الجدل حول كورنيش أخفنير يتجاوز مشروعاً بعينه، ليطرح سؤالاً أكبر حول النموذج التنموي الذي تريده المنطقة: هل تستمر أخفنير في الاعتماد على الأنشطة المحدودة وحركة العابرين، أم تنجح في بناء اقتصاد محلي يستثمر في موقعها الساحلي ورصيدها البيئي؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل الجماعة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً أن الحفاظ على المؤهلات الطبيعية لا يمكن فصله عن توفير بنية تحتية ملائمة وخلق فرص اقتصادية حقيقية قادرة على تثبيت السكان واستقطاب الاستثمار.
وفي انتظار اتضاح مآل مشروع الكورنيش، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من تدبير الخلافات الظرفية إلى بناء توافق محلي حول الأولويات التنموية، بما يجعل المؤهلات الاستثنائية لأخفنير أساساً لاقتصاد مستدام، وليس مجرد ثروة طبيعية غير مستثمرة.




