«صحراويون من أجل السلام» تطرق باب دي ميستورا مجدداً.. هل تطالب الحركة بتوسيع التمثيل قبل أن تحسم اختبار التعددية داخل صفوفها؟

في لحظة دقيقة من مسار قضية الصحراء، تعود حركة «صحراويون من أجل السلام» إلى واجهة المشهد برسالة جديدة إلى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، تطالبه فيها بتوسيع دائرة المشاركة في المسار السياسي وإشراك أصوات صحراوية تؤمن بالحوار والتفاوض وترفض خيار المواجهة.

المطلب، في ظاهره، ينسجم مع خطاب الحركة منذ تأسيسها، غير أن توقيته يفتح الباب أمام سؤال سياسي أكثر إحراجاً: هل يتعلق الأمر فعلاً بإعادة تشكيل أوسع للتمثيل الصحراوي، أم بمحاولة متقدمة لحجز مقعد للحركة نفسها داخل المسار الأممي؟
فالرسالة الأخيرة لم تأتِ من فراغ؛ إذ سبق للحركة أن راسلت دي ميستورا في يناير وفبراير الماضيين، مطالبة بإشراكها في المسار السياسي واعتماد مقاربة أكثر شمولاً للتمثيل الصحراوي.
شعار التعددية يصطدم بسؤال الممارسة
تقول الحركة إن استمرار حصر التمثيل الصحراوي في طرف واحد لا يعكس، من وجهة نظرها، تعدد المواقف داخل المجتمع الصحراوي، وإن الحل المستدام يحتاج إلى الاستماع إلى أصوات اختارت الحوار والتفاوض.
لكن هذا الطرح يضع الحركة نفسها أمام اختبار لا يقل أهمية عن الاختبار الذي توجهه إلى الوساطة الأممية: كيف تُمارس التعددية داخل الحركة ذاتها؟
فبحسب رواية أحد المؤسسين التي تضمنتها معطيات هذا الملف، التحقت بالحركة عند تأسيسها مجموعة من الأطر الصحراوية، قبل أن تنشأ خلافات حول أسلوب التدبير الداخلي ومواقع المشاركة وصناعة القرار. وهذه الرواية، باعتبارها موقفاً منسوباً إلى أحد المؤسسين، تحتاج إلى عرض موقف قيادة الحركة منها قبل تحويلها إلى حقيقة نهائية.
ومع ذلك، فإن مجرد بروز هذا النقاش يكشف مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها: الحركة التي تطالب الأمم المتحدة بتوسيع دائرة الاستماع إلى الصحراويين مطالبة، في المقابل، بإقناع الرأي العام بأن خطاب التعددية ليس مجرد أداة للمطالبة بالاعتراف الخارجي، وإنما مبدأ حاضر أيضاً في بنيتها الداخلية.
من موقع المعارضة إلى البحث عن مقعد على طاولة التفاوض
وتبدو الرسالة الأخيرة جزءاً من مسار سياسي متدرج تسعى من خلاله الحركة إلى الانتقال من موقع التعبير الصحراوي الموجود خارج المفاوضات إلى فاعل يريد أن يكون حاضراً داخلها.
ففي يناير الماضي، أعلنت الحركة استعدادها للمشاركة في المسار السياسي الذي قد تعيد الأمم المتحدة إطلاقه، وقالت إنها ترى في نفسها صوتاً صحراوياً مستقلاً يدافع عن الحل السياسي والتفاوضي. كما أكدت في فبراير استعدادها للمشاركة في أي مسار تفاوضي ترعاه الأمم المتحدة.
وفي يونيو، التقى وفد من الحركة ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ما شكل محطة بارزة في تحركاتها الخارجية، قبل أن تتجدد مراسلاتها مع الأمم المتحدة خلال سبتمبر وأكتوبر.
وبذلك، لا تبدو الرسالة الأخيرة مجرد مبادرة معزولة، وإنما حلقة إضافية في استراتيجية سياسية تهدف إلى تثبيت الحركة كصوت صحراوي ينبغي أن يكون حاضراً في أي ترتيبات تفاوضية مقبلة.
التوقيت.. لماذا الآن؟
تكتسب الرسالة أهميتها أيضاً من توقيتها. فهي تأتي بالتزامن مع المراجعة المرتقبة لولاية بعثة «المينورسو»، وفي ظل الزخم الذي تتحدث عنه الحركة عقب قرار مجلس الأمن رقم 2797، فضلاً عن الحضور الأمريكي المتزايد في الملف.
وتعتبر الحركة أن هذه التطورات توفر فرصة للخروج من الجمود الذي طبع النزاع لعقود، وتدعو دي ميستورا إلى عدم التعامل مع مراجعة ولاية «المينورسو» باعتبارها إجراءً تقنياً يتعلق بالموارد وعدد أفراد البعثة ومدة ولايتها، بل باعتبارها محطة يمكن أن تستعيد من خلالها العملية السياسية زخمها.
غير أن القراءة السياسية لهذا التوقيت يمكن أن تذهب في اتجاه آخر أيضاً: فكلما اقتربت لحظة إعادة ترتيب المسار السياسي، ازدادت قيمة الموقع الذي ستحتله الأطراف والتيارات الراغبة في المشاركة فيه.
ومن هذه الزاوية، تبدو الحركة أمام سباق مع الزمن لإثبات أن حضورها ليس مجرد مطلب تنظيمي أو رغبة في انتزاع الاعتراف، وإنما تعبير عن قاعدة سياسية قادرة على تقديم قيمة مضافة إلى أي مفاوضات مقبلة.
«المينورسو» ليست وحدها في مرمى الرسالة
الحركة لا تكتفي بالمطالبة بإشراكها أو توسيع دائرة المشاركة، بل تحاول أيضاً إعادة طرح وظيفة «المينورسو» في المرحلة المقبلة.
وتقول إن تجديد ولاية البعثة، بعد نحو 35 عاماً من وجودها، ينبغي ألا يقتصر على الجوانب التقنية، وإنما يجب أن يترافق مع جهد سياسي يستهدف استعادة ثقة الصحراويين وخلق أفق تفاوضي ذي مصداقية.
وهنا تنتقل الحركة من مخاطبة دي ميستورا إلى محاولة التأثير في النقاش الأممي الأوسع: ليس فقط من يشارك في العملية السياسية، بل كيف ينبغي أن تُدار هذه العملية وما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الأممية في إعادة إطلاقها.
من خطاب البوليساريو إلى خطاب السلام
ومن أكثر النقاط التي تثير النقاش حول الحركة مسار قيادتها وخلفياتها السياسية.
فمنتقدون للحاج أحمد باريكلى يستحضرون نشاطه السابق في أمريكا اللاتينية وعلاقته، خلال مراحل سابقة، بخطاب جبهة البوليساريو، ويطرحون أسئلة حول دلالات انتقاله لاحقاً إلى قيادة حركة تقدم نفسها باعتبارها خياراً سياسياً يقوم على السلام والتفاوض.
لكن هذا التحول، في حد ذاته، لا يمكن اعتباره دليلاً على موقف بعينه من دون توثيق مستقل وكامل للمراحل المختلفة من مساره السياسي. والأهم أن الحركة باتت اليوم تقدم تصوراً سياسياً واضحاً يقوم على التفاوض والحل السلمي، وهو ما يجعل تقييمها مرتبطاً أساساً بمواقفها الحالية وقدرتها على ترجمتها إلى ممارسة سياسية قابلة للاختبار.
وفي فبراير الماضي، ذهب مسؤول العلاقات الخارجية بالحركة إلى أبعد من الدعوة العامة إلى السلام، عندما تحدث عن مشاركتها في تصميم اتفاق للحكم الذاتي وفترة انتقالية، بما يشمل ترتيبات تتعلق بإعادة الإعمار وإعادة إدماج اللاجئين ونزع السلاح والأمن.
السؤال الذي لا يمكن للرسالة تجاوزه
في النهاية، تضع «صحراويون من أجل السلام» الأمم المتحدة أمام سؤال التمثيل، لكنها تجد نفسها أمام السؤال نفسه.
فإذا كان اختزال الصوت الصحراوي في جهة واحدة يمثل، وفق خطاب الحركة، عائقاً أمام الوصول إلى تسوية، فإن منطق التعددية يقتضي أيضاً أن تكون الحركة نفسها قادرة على استيعاب اختلاف الآراء داخلها، وتقديم آليات واضحة للمشاركة وصناعة القرار.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة السياسية الأكثر إثارة: الحركة لا تطالب فقط بأن تسمع الأمم المتحدة صوتها، بل تطالب بإعادة تعريف من يحق له التحدث باسم الصحراويين.
وهذا مطلب أكبر بكثير من مجرد الحصول على مقعد في قاعة المفاوضات.
فالمسألة لم تعد فقط: هل ستتمكن «صحراويون من أجل السلام» من إقناع دي ميستورا بإشراكها؟
بل أصبحت أيضاً: هل تستطيع الحركة إقناع الصحراويين والمجتمع الدولي بأن لديها من التمثيلية والاستقلالية والتعددية ما يجعل حضورها إضافة حقيقية إلى المسار السياسي، وليس مجرد طرف جديد يطالب بحصة من طاولة التفاوض؟
ذلك أن المرحلة المقبلة، إذا تحولت بالفعل إلى إعادة تشكيل للمسار السياسي، لن تكافئ بالضرورة أكثر الأصوات صخباً، بقدر ما ستضع أمام كل فاعل سؤالاً واحداً: ماذا يستطيع أن يضيف إلى الحل؟




