اللص العادي يسرق المال… واللص السياسي قد يسرق المستقبل

تتعدد أشكال السرقة، لكن أخطرها ليست دائماً تلك التي تستهدف المال أو الممتلكات الشخصية. فإذا كان اللص العادي قد يسرق مالاً أو ساعة أو هاتفاً، فإن الفساد السياسي، عندما يتحول إلى ممارسة ممنهجة، يمكن أن تكون كلفته أوسع نطاقاً، لأنه يمس مستقبل الناس وفرصهم وثروات بلد بأكمله.

الفارق بين النوعين، في هذا التصور، لا يتعلق فقط بحجم المسروق، وإنما أيضاً بالطريقة التي يصل بها كل منهما إلى هدفه. فاللص العادي يفرض نفسه على ضحيته من دون اختيار منها، بينما يصل المسؤول السياسي إلى موقعه، في الأنظمة الانتخابية، عبر أصوات المواطنين أو من خلال آليات سياسية ومؤسساتية يفترض أن تمنحه تفويضاً لخدمة المصلحة العامة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: المواطن يستطيع، في حالة الجريمة العادية، اللجوء إلى الشرطة والقضاء لحماية حقوقه وملاحقة المعتدي. أما في مواجهة الفساد السياسي، فإن المعالجة لا تكون عبر المطاردة الأمنية، وإنما من خلال المؤسسات الرقابية والقضاء المستقل، والشفافية، والمحاسبة، والانتخابات، وحرية الصحافة، وغيرها من آليات الرقابة الديمقراطية.
ولا يعني ذلك أن كل سياسي فاسد، أو أن كل مسؤول يستغل موقعه لتحقيق مصالح شخصية أو خارجية؛ فهذه اتهامات لا يمكن إطلاقها من دون أدلة محددة. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول السلطة العامة إلى وسيلة لتحقيق منافع خاصة، أو عندما تغيب المحاسبة عن تدبير المال العام والثروات الوطنية.
إن حماية مستقبل الشعوب لا تتوقف فقط على محاربة الجريمة في الشارع، بل تتطلب أيضاً بناء مؤسسات قادرة على منع تضارب المصالح، ومراقبة المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين المواطنين من معرفة كيف تُتخذ القرارات وكيف تُدار ثروات بلدهم.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: من هو اللص؟ وإنما: كيف نبني نظاماً يجعل سرقة المال العام أو إهدار مستقبل الناس أمراً صعباً، وقابلاً للكشف والمحاسبة أياً كان مرتكبه؟




