الجنسية الإسبانية للصحراويين.. أسئلة التاريخ والقانون والسياسة

فتح تصويت مجلس النواب الإسباني على مشروع القانون المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، نقاشاً يتجاوز البعد الإجرائي المرتبط بالجنسية، ليطال قضايا تاريخية وقانونية وسياسية ما تزال حاضرة في خلفية النزاع حول الصحراء.

وحصل المشروع، خلال المناقشة العامة، على 160 صوتاً مؤيداً مقابل 31 صوتاً معارضاً و145 امتناعاً، بعد أن كانت لجنة العدل قد أحالته إلى الجلسة العامة للكونغرس الإسباني.
تاريخ محدد يثير أسئلة مفتوحة
من أبرز المقتضيات التي تستوقف في الصيغة الحالية للمشروع تحديد تاريخ 29 شتنبر 1977 كسقف زمني لميلاد المستفيدين من الجنسية. غير أن أهمية هذا التاريخ لا تكمن في كونه مجرد شرط إداري، وإنما في علاقته بالتسلسل الزمني لانتهاء الإدارة الإسبانية للمنطقة.
فإسبانيا أنهت وجودها الاستعماري في الصحراء في سياق اتفاقية مدريد الموقعة في نونبر 1975، قبل أن تعلن انتهاء وجودها بشكل نهائي خلال فبراير 1976. لذلك يطرح تحديد تاريخ يعود إلى سبتمبر 1977 سؤالاً مشروعاً حول الأساس القانوني والتاريخي الذي اعتمد لتحديده، خصوصاً أن تقرير لجنة العدل الإسبانية المؤرخ في 23 يوليوز 2026 أشار إلى اعتماد ما وصف بـ”التعديل التوافقي” (enmienda transaccional) بشأن المادة الأولى.
وبالتالي، فإن جوهر الإشكال لا يتعلق بالتاريخ في حد ذاته، وإنما بمدى ارتباطه بوضع قانوني إسباني قائم في المنطقة بعد انتهاء الإدارة الإسبانية.
مرسوم 1976.. اكتساب الجنسية أم تسوية وضع سابق؟
يستعيد النقاش أيضاً مقتضيات المرسوم الملكي الإسباني رقم 2258/1976 الصادر في غشت 1976، والذي منح الصحراويين، في ظروف محددة، مهلة سنة لممارسة حق الاختيار المتعلق بالجنسية الإسبانية.
واعتمد المرسوم على وثائق من بينها بطاقة الهوية الإسبانية ثنائية اللغة، وجواز السفر الإسباني، أو التسجيل لدى ممثلية إسبانية في الخارج. وهي وثائق تكتسي أهمية خاصة في تحديد طبيعة العلاقة القانونية التي كانت قائمة بين أصحابها والإدارة الإسبانية.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: إذا كانت بعض الفئات المعنية تتوفر أصلاً على وثائق إسبانية رسمية، فهل يتعلق الأمر فعلاً بفتح مسطرة جديدة لاكتساب الجنسية، أم بإعادة معالجة وضعيات قانونية سابقة انتهت أو تغيرت بفعل انسحاب إسبانيا من المنطقة؟
وتزداد المسألة تعقيداً بالنظر إلى أن المرسوم نفسه ربط استمرار صلاحية بعض الوثائق بممارسة حق الاختيار خلال الأجل المحدد.
توسع وسائل الإثبات
يختلف مشروع القانون الحالي عن الإطار الذي وضعه مرسوم 1976 في جانب مهم، إذ يتيح إثبات الولادة أو الارتباط بالإقليم بواسطة وثائق إدارية إسبانية مختلفة، كوثائق الدراسة والعمل والتقاعد والعلاج وغيرها.
هذا التوسع قد يسهم في تسهيل إثبات الوقائع بالنسبة إلى بعض الفئات، لكنه في المقابل يفتح إشكالات تتعلق بحدود المستفيدين. فماذا عن أبناء الأشخاص المولودين في الصحراء خلال الإدارة الإسبانية، الذين وُلدوا لاحقاً خارج الإقليم نتيجة انتقال أسرهم إلى مناطق مغربية أخرى؟ وهل يكفي إثبات ولادة الأب أو الأم في المنطقة للاستفادة من القانون؟
كما تبرز إشكالية أخرى تتعلق بالأشخاص الذين وُلدوا في الإقليم خلال الفترة الإسبانية دون أن تكون لهم إقامة مستقرة أو ارتباط اجتماعي دائم به، وهو ما يجعل معيار “مكان الولادة” وحده غير كافٍ بالضرورة لتحديد طبيعة العلاقة التاريخية أو القانونية بالإقليم.
إشكالية الوثائق بعد انتهاء الإدارة الإسبانية
قد يكون أكثر الجوانب إثارة للنقاش هو اشتراط الاعتماد على وثائق صادرة عن السلطات الإسبانية. فهذا الشرط قد يستبعد تلقائياً حالات عديدة تعود إلى الفترة التي أصبحت فيها الوثائق الإدارية تصدر عن السلطات المغربية.
وبذلك ينشأ نوع من المفارقة: فكلما ابتعدت الوقائع زمنياً عن مرحلة الإدارة الإسبانية، أصبح إثباتها بواسطة الوثائق الإسبانية أكثر صعوبة، الأمر الذي قد يحد من شمولية القانون ويجعل الاستفادة منه مرتبطة أساساً بوجود أرشيف أو وثائق إسبانية يمكن تقديمها.
سكان تندوف.. اختبار آخر للمشروع
تطرح وضعية سكان مخيمات تندوف إشكالاً إضافياً، يرتبط أساساً بإثبات الهوية والأصل والولادة والوضع القانوني للأفراد. كما أن أي استفادة جماعية من القانون ستظل مرتبطة بقدرة المعنيين على تقديم الوثائق التي يحددها التشريع الإسباني.
ويضاف إلى ذلك البعد المرتبط بقواعد القانون الدولي للاجئين، إذ يثير اكتساب جنسية جديدة وتمتع الشخص بحماية دولة أخرى أسئلة حول استمرار تمتعه بالوضع القانوني للاجئ، وهي مسألة قد تكون لها انعكاسات مباشرة على أي مسار محتمل لاكتساب الجنسية الإسبانية.
ملف قانوني بامتدادات سياسية
يتجاوز مشروع القانون، في نهاية المطاف، حدود قانون الجنسية. فهو يستحضر مرحلة استعمارية انتهت منذ عقود، ويعيد إنتاج أسئلة مرتبطة بالهوية والوثائق والوضع القانوني للأشخاص الذين عاشوا في الإقليم خلال الإدارة الإسبانية.
كما أن ارتباط الملف بالنزاع حول الصحراء يمنحه حساسية سياسية خاصة، لاسيما إذا انتقل التعامل من حالات فردية تستند إلى وثائق وإثباتات محددة إلى مقاربة جماعية تقوم على الانتماء إلى فئة أو منطقة.
ومن هذا المنظور، فإن النقاش حول المشروع لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: من يستحق الجنسية الإسبانية؟ بل يتعين أن يمتد إلى أسئلة أعمق: ما الأساس التاريخي والقانوني لتحديد المستفيدين؟ وما طبيعة العلاقة القانونية التي تستند إليها المطالب؟ وكيف ينسجم المشروع مع التحولات التي عرفها وضع المنطقة بعد انتهاء الإدارة الإسبانية؟
وتلك الأسئلة تجعل مشروع القانون اختباراً حقيقياً لقدرة المشرّع الإسباني على التوفيق بين معالجة إرث تاريخي، واحترام القواعد القانونية للجنسية، وتفادي تحويل ملف ذي طبيعة فردية إلى أداة جديدة لإعادة تعريف قضية سياسية وإقليمية شديدة التعقيد.




