من التحقيقات التي هزّت المسؤولين إلى حملات التشهير.. لماذا يخيفهم أخشيشين؟

في خضم موجة من الانتقادات والتشهير التي تستهدف أحد الصحفيين المهنيين، اختار أحد زملائه أن يختصر موقفه من الحملة بعبارة لافتة: «يرعبكم يا جبناء»، في إشارة إلى ما يعتبره استهدافًا لمسار صحفي ونقابي امتد لسنوات داخل المشهد الإعلامي المغربي.
غير أن السجال الدائر اليوم يعيد، في الواقع، طرح سؤال أوسع من حدود الخلافات الشخصية: ماذا تبقى من المسار المهني للصحفي عندما يتحول اسمه إلى مادة للجدل، وهل يمكن اختزال تجربة مهنية طويلة في حملات التشهير والاتهامات المتبادلة؟

فالصحفي المعني راكم، على امتداد سنوات، تجربة في عدد من الأجناس الصحفية، متنقلًا بين الخبر والتحقيق والريبورتاج والبورتريه، كما تحمل مسؤوليات تحريرية داخل أقسام أساسية في الصحافة المكتوبة، من بينها قسم المجتمع والقسم السياسي.
ومن أبرز الملفات التي ارتبطت باسمه تحقيق صحفي حول لغز حقل تالسينت، وهو الملف الذي استقطب اهتمامًا واسعًا في مرحلة كانت فيها الآمال معلقة على ما إذا كان الحقل يخفي احتياطات من النفط أو الغاز. وقد اعتمد الصحفي في مقاربته على البحث والتقصي وربط المعطيات المتاحة، في وقت أثارت فيه بعض مضامين التحقيق انتقادات وجدلاً في البداية، قبل أن تتكشف لاحقًا معطيات مرتبطة بحقيقة ما كان يجري في الحقل.
وتعود شهادات من داخل الوسط الصحفي أيضًا إلى مرحلة تولى خلالها مسؤولية قسم المجتمع في صحيفة الأحداث المغربية، وهي الفترة التي كانت الصحيفة خلالها تحقق، وفق شهادات زملاء عايشوا تلك المرحلة، أرقام مبيعات تجاوزت 140 ألف نسخة.
وكانت المسؤولية التحريرية في تلك المرحلة تتطلب، من بين أمور أخرى، إعداد وتدبير الصفحات الأولى بما يتناسب مع خصوصيات المدن والمناطق، وهي مهمة تعكس طبيعة الدور الذي كان يضطلع به الصحفي داخل غرفة الأخبار، في زمن كانت فيه الصحافة الورقية تحتل موقعًا مركزيًا في تشكيل النقاش العمومي.
وفي مجال البورتريه، ترك الصحفي بدوره عددًا من النصوص التي حظيت باهتمام القراء، من بينها بورتريه حمل عنوان «محمد السادس: محامي إفريقيا»، إلى جانب كتابات أخرى واكبت التحولات التي عرفتها السياسة الإفريقية للمغرب خلال السنوات التي سبقت عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي.
كما لم يقتصر حضوره على الصحافة المكتوبة، إذ شارك في لقاءات وبرامج تلفزيونية تناولت قضايا سياسية وإعلامية مختلفة، ما أتاح له تجربة إضافية في النقاش العمومي وتقديم المواقف والتحليلات أمام جمهور أوسع.
اليوم، يجد هذا المسار نفسه في قلب سجال جديد، وسط انتقادات وحملات يعتبر مؤيدوه أنها تتجاوز حدود النقد المهني إلى التشهير الشخصي. وفي المقابل، يصر منتقدوه على حقهم في مساءلة مواقفه وأدائه، وهو ما يجعل النقاش مفتوحًا على أكثر من قراءة.
لكن بعيدًا عن الاصطفافات، تظل المسارات الصحفية قابلة للتقييم من خلال ما تنتجه من أعمال منشورة، وما تتركه من أثر في ذاكرة المهنة. فالتحقيقات والريبورتاجات والبورتريهات والمقالات ليست مجرد محطات عابرة، بل مواد يمكن العودة إليها وقراءتها ومناقشة منهجيتها ونتائجها وفق قواعد المهنة ومعاييرها.
وبين حملات التشهير والردود المضادة، يعود اسم الصحفي إلى الواجهة لا باعتباره مجرد طرف في سجال عابر، وإنما باعتباره صاحب تجربة مهنية ونقابية طويلة، تتضمن محطات وأعمالًا يمكن الرجوع إليها للحكم على مساره.
ويرى أحد زملائه أن ما يفسر حدة الهجوم عليه هو، من وجهة نظره، تمسكه بما يعتبره نزاهة مهنية وبساطة شخصية وصلابة في العمل النقابي. أما ما هو أبعد من ذلك، فيبقى رهينًا بالوقائع والوثائق وبقدرة كل طرف على تقديم ما يثبت روايته.
وفي نهاية المطاف، قد تهدأ ضوضاء السجالات، لكن ما يبقى في أرشيف الصحافة هو ما كُتب ونُشر، وما يمكن للأجيال اللاحقة أن تعود إليه لتقرأه وتحاكمه بمعايير المهنة، بعيدًا عن حرارة الخصومات الآنية.




