المغرب وإسرائيل.. خطوة دبلوماسية جديدة وأسئلة التوقيت والحسابات

لم يكن الإعلان عن الانتقال بالعلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى جديد من التمثيل الدبلوماسي مجرد خبر عابر في أجندة الدبلوماسية الدولية، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، وعلى وقع حرب مستمرة في غزة، وتوترات إقليمية متصاعدة، وحسابات دولية مرتبطة بملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

فقد كشفت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في بيان صدر الأربعاء، عن نتائج اجتماع عقد في نيويورك وضم وزير الخارجية المغربي ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، إلى جانب السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وبحسب البيان الإسرائيلي، فقد بحث الاجتماع استكمال العلاقات بين الرباط وتل أبيب، بما يشمل تبادل السفراء وفتح سفارات في البلدين، بما يعني الانتقال إلى تمثيل دبلوماسي كامل، فضلًا عن استئناف الرحلات الجوية وتعزيز التعاون الاقتصادي.
وتتضمن الترتيبات، وفق المصدر ذاته، العمل على اتفاقية اقتصادية شاملة، من بينها إجراءات مرتبطة بإزالة الازدواج الضريبي، بما يسمح بتسهيل انتقال الأشخاص والاستثمارات وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في توقيتها ومكانها والجهات المشاركة فيها.
نيويورك وواشنطن.. أكثر من مجرد مكان للاجتماع
اختيار نيويورك لعقد الاجتماع، بحضور المسؤول الأمريكي، يعيد إلى الواجهة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في إطلاق مسار التطبيع المغربي الإسرائيلي في ديسمبر 2020.
ففي ذلك الوقت، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، بالتزامن مع إعلان الرباط استئناف علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، في إطار الدينامية التي أطلقتها «الاتفاقيات الإبراهيمية».
ومن ثم، فإن الحضور الأمريكي في أي محطة جديدة من هذا المسار يحمل دلالة سياسية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، ويعيد التأكيد على الترابط بين العلاقات المغربية الإسرائيلية والدور الأمريكي في المنطقة.
كما أن تقديم الخطوة باعتبارها امتدادًا لمسار الاتفاقيات الإبراهيمية يخدم، في الوقت نفسه، الرؤية الأمريكية التي تسعى إلى تثبيت هذا المسار باعتباره أحد مكونات سياستها في الشرق الأوسط.
أما بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، فإن توسيع دائرة العلاقات مع دول عربية وإسلامية يظل ورقة سياسية مهمة، خصوصًا في ظل الانتقادات الدولية للحرب في غزة والتوترات المتواصلة حول القضية الفلسطينية.
الحسابات المغربية.. الصحراء في خلفية المشهد
على الجانب المغربي، تبدو الحسابات أكثر ارتباطًا بشبكة واسعة من الملفات الاستراتيجية.
فالعلاقة مع الولايات المتحدة تظل عنصرًا محوريًا في السياسة الخارجية المغربية، خصوصًا فيما يتعلق بقضية الصحراء. كما أن العلاقات مع القوى الأوروبية الكبرى تفرض بدورها حسابات دقيقة بحكم المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة والتبادل التجاري.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تطوير العلاقات مع إسرائيل باعتباره جزءًا من سياسة أوسع تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز العلاقات مع القوى المؤثرة في الملفات التي تحظى بالأولوية بالنسبة إلى المغرب.
كما يأتي التطور في مرحلة يظل فيها ملف الصحراء حاضرًا بقوة على أجندة مجلس الأمن، الأمر الذي يجعل أي تحرك دبلوماسي مغربي مرتبطًا، بصورة أو بأخرى، بحسابات أوسع تتجاوز العلاقات الثنائية مع إسرائيل.
لكن ذلك يظل في دائرة التحليل السياسي، ما لم تكشف الرباط رسميًا عن دوافعها وأهدافها المباشرة من هذه الخطوة.
التطبيع في مواجهة سؤال غزة
إذا كانت الحسابات الدبلوماسية للدول تُبنى على المصالح والتحالفات، فإنها لا تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه المشاعر والمواقف الشعبية.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في القرار الجديد.
فالحرب الإسرائيلية على غزة جعلت العلاقات مع إسرائيل موضوعًا شديد الحساسية في الشارع المغربي، كما هو الحال في عدد من المجتمعات العربية والإسلامية. ويزداد الجدل حدة مع استمرار الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن العمليات العسكرية في غزة، فضلًا عن سياسات ومواقف عدد من الوزراء الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وبالتالي، فإن الانتقال إلى مستوى أعلى من العلاقات الدبلوماسية يأتي في لحظة تتسع فيها المسافة بين الاعتبارات الرسمية التي تحكم السياسة الخارجية وبين المزاج الشعبي المتضامن مع القضية الفلسطينية والرافض للتطبيع.
هل انتهى زمن الدبلوماسية المتدرجة؟
منذ استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، ظلت العلاقة تتطور بصورة تدريجية، من الاتصالات السياسية إلى التعاون الاقتصادي والسياحي والأمني، قبل أن يبرز الآن احتمال الانتقال إلى مرحلة التمثيل الدبلوماسي الكامل.
وإذا ما تم تنفيذ هذه الترتيبات، فإن ذلك سيشكل محطة جديدة في مسار بدأ قبل نحو ست سنوات، وسيجعل العلاقات بين الطرفين أكثر مؤسساتية ووضوحًا.
لكن هذه الخطوة ستضع الدبلوماسية المغربية أمام معادلة دقيقة: المحافظة على شبكة التحالفات والمصالح الدولية من جهة، والتعامل مع حساسية القضية الفلسطينية داخل المجتمع المغربي من جهة أخرى.
وهذه المعادلة هي التي ستحدد، إلى حد كبير، طبيعة المرحلة المقبلة.
بين المصالح والمواقف
القرار الدبلوماسي، في نهاية المطاف، لا يُقاس فقط بالبيان الذي يعلن عنه، وإنما بما يترتب عنه من خطوات عملية، وبما يحققه من مصالح، وبالطريقة التي تتم بها إدارة انعكاساته السياسية والشعبية.
ومن هنا، فإن الإعلان عن تبادل السفراء وفتح السفارات واستئناف الرحلات وتعزيز التعاون الاقتصادي لا يغلق باب الأسئلة، بل يفتحه على مصراعيه.
لماذا الآن؟ وما الذي ستنتجه هذه الخطوة بالنسبة إلى المغرب؟ وكيف ستتفاعل معها القوى السياسية والمجتمعية داخليًا؟ وما انعكاساتها على علاقة الرباط بواشنطن وتل أبيب، وعلى موقفها من القضية الفلسطينية؟
أسئلة ستظل مفتوحة إلى أن تتضح طبيعة الاتفاقات التي ستخرج إلى حيز التنفيذ، وما إذا كان الأمر يتعلق فقط باستكمال مسار بدأ سنة 2020، أم بانتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مرحلة استراتيجية جديدة.
وفي كل الأحوال، فإن توقيت الخطوة يجعلها واحدة من أكثر الملفات الدبلوماسية إثارة للنقاش، ليس فقط بسبب مضمونها، وإنما بسبب الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بها.



