العقاب الذهبي في وادي الذهب.. دراسة ترصد انتشار الطائر الجارح وتحديات بقائه

كشفت دراسة ميدانية أنجزها فريق من الباحثين في مختبر دراسة الطيور المغربية (LEAM) عن معطيات جديدة بشأن وضعية العقاب الذهبي، المعروف علميا باسم Aquila chrysaetos، في منطقة وادي الذهب بالصحراء المغربية، مسلطة الضوء على انتشار هذا الطائر الجارح وظروف تكاثره والتحديات التي تواجه استمراره في واحدة من أكثر البيئات قسوة.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة “Alauda” الفرنسية، في وقت لا تزال المعطيات العلمية المتعلقة بدينامية العقاب الذهبي في أقصى جنوب المغرب محدودة، مقارنة بما هو متوفر بشأن وجوده وتوزيعه في شمال المملكة والمناطق الجبلية، ولا سيما سلاسل الأطلس.
موائل محدودة وانتشار مرتبط بالتضاريس
وأظهرت المعاينات الميدانية، التي أنجزها الباحثون عبد الجبار قنينبة وحليمة بوصديق وباتريك بيرجييه، أن الشريط الساحلي لجهة وادي الذهب، الذي تبلغ مساحته نحو 33 ألفا و200 كيلومتر مربع من أصل حوالي 143 ألف كيلومتر مربع، لا يوفر، في معظمه، الشروط الطبيعية المعروفة لتعشيش العقاب الذهبي، وعلى رأسها المرتفعات والسلاسل الجبلية.
وأوضحت الدراسة أن هذا الطائر يعتمد أساسا على المنحدرات والواجهات الصخرية لبناء أعشاشه، خصوصا في أطراف الكتل الجبلية، التي تمنحه مواقع مرتفعة تساعده على مراقبة السهول والمجالات المحيطة بمواقع التعشيش.
وبناء على المعطيات المتاحة، قدر الباحثون عدد أزواج العقاب الذهبي في منطقة وادي الذهب بما يتراوح بين 12 و20 زوجا، مع ترجيح ألا يتجاوز العدد الإجمالي 20 زوجا في مختلف أنحاء المنطقة. غير أن الدراسة أبقت احتمال وجود أزواج أخرى قائما في المجالات التي تعذر الوصول إليها واستكشافها ميدانيا.
قيود ميدانية تحد من دقة الإحصاء
وتواجه عمليات رصد هذا الطائر في المنطقة صعوبات ميدانية مرتبطة أساسا بوجود مجالات تخضع لإجراءات أمنية، فضلا عن مناطق أخرى تضم حقول ألغام قديمة، بعضها معروف وبعضها غير مرسم، وهو ما حال دون استكشاف نحو 48 ألف كيلومتر مربع من المجالات التي اعتُبرت، من الناحية النظرية، ملائمة لوجود العقاب الذهبي.
وبحسب الدراسة، فإن عدد الأزواج التي أمكن رصدها في المناطق التي شملها الاستكشاف قد لا يتجاوز 15 زوجا، ما يجعل تقدير العدد الإجمالي رهينا باستكمال المسح الميداني في المناطق التي تعذر الوصول إليها.
الأمطار تتحكم في وتيرة التكاثر
وأبرزت نتائج البحث أن الظروف المناخية تلعب دورا مباشرا في الحياة التكاثرية للعقاب الذهبي داخل هذه الأوساط الصحراوية، إذ ترتبط وتيرة التعشيش وتكاثر الأزواج بشكل وثيق بمعدلات التساقطات المطرية.
وسجل الباحثون توقفا في نشاط التعشيش خلال سنوات الجفاف المتتالية، في مقابل عودة النشاط التكاثري عقب الفترات التي تعرف هطول الأمطار، والتي تسهم في تجدد الغطاء النباتي وتحسن الظروف المرتبطة بتكاثر الفرائس التي يعتمد عليها الطائر في غذائه.
وفي هذا السياق، شهد ربيع 2026 نجاح عدد من أزواج العقاب الذهبي في التكاثر، وذلك بعد الظروف المناخية الجافة التي طبعت سنتي 2024 و2025.
صراع محدود مع مربي الماشية
ولا تخلو حياة العقاب الذهبي في المنطقة من تهديدات مرتبطة بالنشاط البشري، إذ أشارت الدراسة إلى احتمال تعرضه للاستهداف من طرف بعض مربي الماشية والرحل، خصوصا عندما يهاجم صغار الأغنام والماعز.
ورغم ذلك، خلص الباحثون إلى أن العلاقة بين العقاب الذهبي والسكان المحليين لا تتسم عموما بالتوتر، باستثناء بعض حالات الاحتكاك مع مربي الماشية الذين ينظرون إلى الطائر باعتباره خطرا محتملا على الحملان والجديان.
وفي المقابل، يستفيد العقاب الذهبي من الموارد الغذائية التي توفرها البيئة الصحراوية، بما في ذلك الحيوانات النافقة. وتكتسي جيف الإبل أهمية خاصة خلال فترات الجفاف الطويلة التي ترتفع خلالها معدلات نفوق هذه الحيوانات، كما يتغذى الطائر أيضا على صغار الأغنام والماعز، إلى جانب بعض السحليات والحيوانات الصحراوية الأخرى.
بقايا الفرائس تكشف النظام الغذائي
وقدمت الدراسة مؤشرات ميدانية على طبيعة النظام الغذائي للعقاب الذهبي، من خلال ثلاث مخلفات غذائية سبق جمعها بالقرب من أحد مواقع وجود زوج من هذا الطائر، وضمت بقايا أرنبين وسحلية شوكية الذيل.
كما عثر الباحثون في الموقع نفسه على قرن يعود إلى غزال الدوركاس، ما يوفر بدوره مؤشرا إضافيا على تنوع الموارد الحيوانية التي قد يستفيد منها هذا الجارح في محيطه الصحراوي.
الحاجة إلى تتبع الطيور اليافعة
وأثارت النتائج مجموعة من التساؤلات العلمية حول قدرة العقاب الذهبي على الاستمرار والتكيف مع الظروف البيئية القاسية في جنوب المغرب، خصوصا ما يتعلق بمصير الطيور اليافعة بعد مغادرتها الأعشاش، وأنماط حركتها والمجالات التي ترتادها وقدرتها على البقاء.
ويرى الباحثون أن إطلاق برنامج متخصص لتتبع العقاب الذهبي سيكون خطوة مهمة لفهم دينامية هذا النوع في المنطقة، وتحديد نطاق حركته، ورصد مسارات الطيور اليافعة، فضلا عن توفير معطيات أدق حول حجم الجماعة وتطورها مستقبلا.
وتبرز الدراسة، في المحصلة، أن وجود العقاب الذهبي في وادي الذهب يرتبط بتفاعل معقد بين التضاريس والمناخ وتوفر الفرائس والأنشطة البشرية، بما يجعل مواصلة الرصد العلمي والميداني عاملا أساسيا لفهم مستقبل هذا الطائر الجارح في البيئة الصحراوية.



