قضايا و آراء

سبتة.. مقبرة الأرقام ومأساة العابرين بين ضفتي المتوسط

عاد أحد الصحفيين من مدينة سبتة محمّلًا بما شاهده خلال زياراته لتغطية أحداث الهجرة، لكنه لم يعد فقط بانطباعات عن مدينة تعيش على وقع التوتر السياسي والأمني، بل بصورة أكثر قسوة ظلت عالقة في ذاكرته: مقبرة سيدي امبارك، حيث لا تحمل شواهد القبور أسماء الموتى، وإنما أرقامًا.

يقول الصحفي: «عدت من سبتة مثقلًا بما رأيت؛ عنصرية مقيتة، وإهمالًا للمهاجرين وطالبي اللجوء، وهجمات على المنظمات الإنسانية، لكن أكثر ما آلمني كان ما قرأته على شواهد القبور. في مقبرة سيدي امبارك، لا يحمل الموتى أسماء، بل أرقامًا».

تنتظم القبور فوق تراب حديث الحفر، وتحتها جثامين أشخاص لقوا حتفهم أثناء محاولات الوصول إلى سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز. وبحسب ما أورده الصحفي، فقد انتُشلت نحو 90 جثة من المياه المحيطة بالمدينة، لم تُعرف هوية سوى تسعة منها، فيما بقيت هويات 81 شخصًا مجهولة.

ويضيف: «هؤلاء هم من حاولوا الوصول إلى سبتة. دُفنوا هنا بعدما انتُشلت جثثهم من المياه، لكن 81 منهم لم تكن لهم أسماء على شواهد القبور، بل أرقام فقط».

البحر نفسه.. ورحلتان مختلفتان

وصل الصحفي إلى سبتة قادمًا من الجزيرة الخضراء على متن عبّارة، وفي الطريق كان يراقب الساحل الإفريقي وهو يقترب تدريجيًا. غير أن المشهد نفسه كان يحمل مفارقة قاسية؛ فالبحر الذي بدا بالنسبة إلى ركاب العبّارة جزءًا عاديًا من رحلة منظمة، كان بالنسبة إلى المهاجرين طريقًا محفوفًا بالموت.

ويصف المشهد قائلًا: «كانت العبّارة ممتلئة باليمين المتطرف الذي نزل للمشاركة في المظاهرة التي جابت سبتة. ومن على سطحها، كان الجميع يراقب الساحل الإفريقي وهو يقترب. كان هذا البحر هو ذاته الذي عبره المهاجرون، لكنه كان يخضع لقانونين مختلفين».

ويتابع: «بالنسبة إلينا، كانت الرحلة قصيرة، لها موعد وتذكرة. أما بالنسبة إليهم، فكانت مغامرة محفوفة بالمخاطر، وغالبًا ما كانت حكمًا بالموت».

وخلال زياراته الثلاث للمدينة، التقى الصحفي عشرات المهاجرين الذين تحدثوا عن رحلات سباحة استمرت ساعات في مياه المتوسط، بحثًا عن طريق إلى الضفة الأخرى.

ويقول: «استمعت إلى عشرات المهاجرين الذين سبحوا في المتوسط لخمس ساعات. كانوا يذرعون البحر بين حلم ومقامرة بالعمر والحياة».

وراء تلك الساعات الطويلة في المياه، لم يكن هناك مجرد قرار بالهجرة، بل قصص إنسانية مختلفة، وأسباب دفعت أصحابها إلى خوض رحلة يعرفون مسبقًا أنها قد تنتهي بالموت.

سبتة.. مدينة تختصر صراعًا أكبر

في سبتة، لا تبدو الجغرافيا مجرد حدود تفصل بين قارتين، بل تتحول إلى قضية سياسية مفتوحة. فمدريد تريد من الرباط دورًا أساسيًا في مراقبة حدود المدينة، ضمن سياسة تقوم على نقل جزء من مسؤولية ضبط الهجرة إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، بينما يظل وضع سبتة جزءًا من الخلاف السياسي المرتبط بالسيادة بين المغرب وإسبانيا.

ويقول الصحفي: «سبتة مدينة لا تكتفي فيها الجغرافيا بوصف الأمكنة؛ بل تطرح عليها الأسئلة. تريد مدريد من الرباط مراقبة حدود المدينة في سياسة تصدير الحدود، ويريد المغاربة استرجاعها».

ويرى أن هذه المفارقة السياسية تشكل مدخلًا لفهم عدد كبير من التناقضات التي تعيشها المدينة.

«هذه واحدة من مفارقات سبتة الكثيرة، وربما كانت المفارقة التي تنحدر منها سائر المفارقات الأخرى»، يقول.

على شاطئ ترامبولين.. انتظار بلا جواب

على شاطئ ترامبولين، تتجمع أعداد كبيرة من المهاجرين وطالبي اللجوء. مغاربة ويمنيون وسودانيون وفلسطينيون وأفارقة من دول جنوب الصحراء، إلى جانب فتيان في مقتبل العمر وأسر كاملة، يعيشون في ظروف مؤقتة، داخل خيام وأغطية بسيطة، بينما يطول الانتظار من دون إجابات واضحة بشأن مصيرهم.

ويصف الصحفي المشهد بقوله: «هناك مئات المهاجرين؛ مغاربيون، يمنيون، سودانيون، فلسطينيون وأفارقة من جنوب الصحراء، فتيانًا في مقتبل العمر وأسرًا بأكملها. بنوا خيمًا مؤقتة، ومعها أغطية وقوارير وانتظار بلا جواب».

ومن بعيد، تبدو المجموعة كتلة بشرية واحدة، لكن الاقتراب منها يكشف اختلاف القصص والدوافع والمخاوف.

ويضيف: «من بعيد، يتحولون إلى كتلة بشرية واحدة. ومن قريب، يعيش كل واحد منهم تجربته».

بين الخوف والعنصرية

يعتقد الصحفي أن الاقتراب من المهاجرين والاستماع إلى شهاداتهم يغير كثيرًا من الصور النمطية التي قد تتشكل عنهم من بعيد، خصوصًا في ظل خطاب سياسي وإعلامي يربط الهجرة بالأمن والتهديد.

ويقول: «الإنصات إليهم هو الشيء الوحيد الذي يجعلك قادرًا على فهم الواقع، وعلى إدراك فداحة ما حدث. هؤلاء ليسوا غزاة ولا مستعمرين، بل طالبو لجوء».

غير أن التعاطف مع المهاجرين لا يعني، في نظره، تجاهل المخاوف التي يعيشها سكان سبتة. فالتوتر الاجتماعي والأمني الذي خلفته موجات العبور لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تعبير عن الكراهية.

ويشرح: «لا يمكن محو مأساة الذين وصلوا، لكن لا يمكن، في المقابل، أن نطلب من سكان سبتة أن يتصرفوا وكأن شيئًا لم يحدث. فالخوف ليس دائمًا كراهية؛ أحيانًا لا يكون سوى الاسم الذي يتخذه المرء عندما يشعر بأنه متروك للإهمال».

ومن هذا المنظور، يضع الصحفي المسؤولية في سياق سياسي أوسع، معتبرًا أن المهاجرين لا ينبغي أن يتحولوا إلى كبش فداء للأزمات.

«هذه ليست قضية المهاجرين، بل قضية حكومة مدريد. المهاجرون ليسوا أداة لتفريغ الأزمات»، يقول.

الهجرة.. مأساة إنسانية وأزمة سياسية

تقدم سبتة نموذجًا مكثفًا لتعقيدات ملف الهجرة في المتوسط. فهي في الوقت ذاته مأساة إنسانية، وقضية أمنية، وورقة سياسية، ومظهر من مظاهر اختلال أوسع في العلاقة بين ضفتي المتوسط.

ويقول الصحفي: «في المحصلة، سبتة لا تقدم حقيقة وضعها القديم المتجدد. الهجرة في آن واحد مأساة إنسانية، وقضية أمنية، وأداة للضغط، وعَرَض لاختلال في المساواة».

ويضيف أن سكان المدينة يجدون أنفسهم أمام هذا الاختلال بصورة مباشرة، في وقت يجد فيه المهاجرون أنفسهم عالقين بين سياسات الحدود وواقع إنساني بالغ القسوة.

لكن خلف كل هذه الحسابات السياسية والأمنية، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: أشخاص ماتوا في البحر، وأشخاص آخرون ينتظرون معرفة مصيرهم.

حين يتحول الإنسان إلى رقم

تعود الحكاية في النهاية إلى مقبرة سيدي امبارك.

هناك، لا صور للموتى، ولا تواريخ ميلاد، ولا أسماء تستحضر أصحابها. فقط أرقام محفورة على شواهد القبور.

يقول الصحفي: «على الأحجار لا توجد صور، ولا تواريخ ميلاد، لا عزاء ولا نحيب، لا شيء سوى الأرقام».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة