إسبانيا تضع علاقاتها مع المغرب على المحك


بقلم عبد الهادي مزراري
منذ اعتراف الحكومة في مدريد بالسيادة المغربية على أقاليمه الصحراوية في 22 مارس 2022، لم يهدأ بال للمعارضة الإسبانية، خاصة منها الفئات الأشد عداوة للمغرب، التي اعتبرت قرار حكومة بلادها استسلاما للمغرب وإذعانا لشروطه خلال الأزمة الناجمة عن استقبال زعيم جبهة البوليساريو بهوية مزورة تحت اسم بن بطوش.
منذ ذلك التاريخ، لم تتوقف الطبقة السياسية الإسبانية المناوئة للمغرب عن التخطيط لنسف العلاقات بين مدريد والرباط، مستعملة أسلوب الضغط على الحكومة لحشرها في الزوايا الأكثر ضيقا.
نشطت هذه الطبقة على الساحتين الداخلية والخارجية، مستغلة عددا من الملفات والمواضيع، التي تشكل جروحا في العلاقات بين البلدين. محاولة بكل قوتها فتح جبهة ساخنة ضد المغرب.
الساحة الإسبانية الداخلية فوق نار ملتهبة
اتسعت الهوة بين فريقين في إسبانيا، فريق يدعو لتطور العلاقات مع المغرب، يعتمد رؤية استراتيجية مستقبلية تتجاوز العقد التاريخية، ويدعو إلى تسوية كافة الملفات العالقة، ووصل الأمر ببعض أنصار هذا الفريق إلى الدعوة بتسليم سبتة ومليلية إلى المغرب، وإنهاء كل مظاهر الخلاف بين البلدين.
يعزز هذا الفريق رؤيته بالدفاع عن المصالح الاستراتيجية لإسبانيا في ظل التحولات الجيوسياسية، التي غيرت معطيات كثيرة وقلبت موازن القوة في مناطق شاسعة من العالم وفي مقدمتها منطقة المتوسط وشمال إفريقيا. ويعتبر هذا الفريق المغرب الرئة الجغرافية الوحيدة التي يمكن لإسبانيا التنفس عبرها باتجاه الجنوب.
أما الفريق الثاني على خلاف الفريق الداعي لعلاقات استراتيجية بين مدريد والرباط، يسعى إلى جر الحكومة الإسبانية للوراء وتقويض الاتفاقات الموقعة بين البلدين. معتمدا على الملفات العالقة التي لم تتم تسويتها بعد.
ينظر هذا الفريق إلى المستقبل بعين الماضي، ولا يريد التخلي عن الشعور بالاستعلاء، وتتحكم بمعظم نشطائه نزعة التطرف اليميني الآخذ في اجتياح الساحة الإسبانية. ويعمل بكل طاقته في المجالات السياسية والاجتماعية والإعلامية من أجل تصوير المغرب للرأي العام الإسباني على أنه العدو رقم 1 للبلاد.
مخططات ملتوية للانقلاب على الالتزامات
عزز الفريق المناوئ للمغرب في إسبانيا استراتيجيته بمجموعة من المخططات التي تجعل التزامات ومواقف الحكومة الحالية خالية من مضمونها. وكله أمل في جر هذه الحكومة والحكومات المقبلة إلى اللعب على الحبلين.
في موضوع الاعتراف الإسباني بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، تلجأ إسبانيا في هذه الأثناء إلى طريقة خطيرة لإفراغ هذا الاعتراف من محتواه دون التصريح بالتراجع عنه. وقد قررت في 10 شتنبر الجاري التصويت في البرلمان على مشروع قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المتحدرين من الأقاليم الصحراوية.
بمجرد طرح هذا المشروع للنقاش السياسي يعتبر خطة خبيثة لحقن مشكل الصحراء المغربية بترياق يطيل عمر الأزمة لعقود أخرى. وفي حال تبنيه سيكون ضربة قاتلة للعلاقات بين الرباط ومدريد. ويحدث هذا في الوقت الذي أشرف النزاع على نهايته بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797 في 31 اكتوبر الماضي.
في موضوع الهجرة، رغم الاتفاقات الموقعة بين البلدين، ورغم التزام المغرب بضبط حدوده البرية والبحرية، لجأت إسبانيا عن طريق جهازها القضائي إلى إصدار حكم من الحكمة العليا، في يوليوز الماضي، يقضي بالسماح للمهاجرين غير الشرعيين بالبقاء فوق “التراب الاسباني” في حال وصولهم عبر البحر.
أصاب هذا القرار برتوكول التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامبة في المقتل. وشكل أرضية مفتعلة لعدة أطراف مناوئة للمغرب لتنظيم حملة التعبئة الشاملة لنزوح عشرات الآلاف من المغاربة إلى سبتة المحتلة في 30 و31 يوليوز الماضي. والهدف بطبيعة الحال من ذلك هو إذلال المغرب وتشويه صورته من جهة، واتهامه بتهديد الأمن الإسباني والأوروبي في مجال مكافة الهجرة غير الشرعية.
إثارة أزمة المستعمرتين في سبتة ومليلية
يقترب الفريق المناوئ للمغرب في إسبانيا بدفع الحكومة الحالية إلى المواجهة مع المغرب في موضوع الثغرين المحتلين سبتة ومليلية. ولا يتوانى هذا الفريق عن استعمال كل الوسائل لتعزيز الحضور الإسباني في المدينتين إلى الأبد.
ارتفعت الأصوات التي تطالب ملك إسبانيا بزيارة سبتة ومليلية. ونظمت مظاهرات صاخبة تدعو الإسبانيبن إلى الوحدة في مواجهة مطالبة المغرب باسترجاع المدينتي (تم تمزيق العلم المغربي خلالها). كما جرى استدعاء سفيرة المغرب في مدريد للاستفسار عن تصريح وزيرين في الحكومة المغربية باعتبار سبتة ومليلية محتلتين من طرف إسبانيا.
من جهة أخرى، يجري الترتيب لزيارة عمل لرئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز إلى الجزائر في أكتوبر المقبل، بجدول أعمال يحمل في طياته مبادرة مشتركة لتعزيز التعاون بين البلدين في الثغرين المغربيين المحتلين، من خلال إطلاق خط بحري يربط وهران بمليلية وأنبوب غاز ينطلق من الجزائر باتجاه سبتة.
في حال مضي الحكومة الإسبانية الحالية أو أي حكومة مقبلة أخرى، في تنفيذ هذه المخططات سيكون محكوم عليها بالصدام مع المغرب، الذي يبدو إلى حدود كتابة هذه السطور مسلحا بسياسة الصمت.
الصمت المغربي .. إلى أين؟
في ظل هذه التطورات، تبدو العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد قد يكون من أخطر الاختبارات منذ أزمة 2021. فالمغرب، الذي اختار إلى حدود الساعة عدم الانجرار إلى سجال سياسي وإعلامي، يراقب ما يجري بهدوء، بينما تجد مدريد نفسها أمام ضرورة الاختيار بين منطق الشراكة الاستراتيجية والحسابات السياسية الضيقة.
لقد أصبحت المصالح المشتركة بين البلدين أكبر من أن تختزل في ملفات ظرفية أو رهانات انتخابية عابرة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل منطقة المتوسط وشمال إفريقيا. غير أن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تستقيم بسياسة ازدواجية المواقف أو بمحاولة الاستفادة من المغرب كشريك استراتيجي، مع الإبقاء في الوقت نفسه على أوراق ضغط تمس مصالحه ووحدته الترابية.
فالمرحلة المقبلة ستكشف أي رؤية ستنتصر داخل إسبانيا، رؤية تؤمن بعلاقة استراتيجية ومستقبلية مع المغرب، أم رؤية أخرى تريد العودة بالعلاقات إلى منطق الماضي والتوتر والمواجهة. وفي الحالة الثانية، قد تجد مدريد نفسها أمام أزمة جديدة لن يكون من السهل التحكم في نتائجها.
أما المغرب، الذي يبدو اليوم مسلحا بسياسة الصمت، فإنه يترك للجانب الإسباني فرصة لتحديد الاتجاه الذي يريد أن تسلكه العلاقات بين البلدين. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس، هل تستطيع إسبانيا اختبار صبر المغرب؟ وإنما هل تستطيع إسبانيا تحمل كلفة وضع علاقاتها مع المغرب على المحك؟




