قضايا و آراء

الواصلون إلى سبتة ..كلام هادئ في جو ملتهب

بقلم عبد الهادي مزراري

كثر الحديث عن موجة الهجرة التي أوصلت عشرات آلاف الأشخاص إلى سبتة المحتلة، تاركة أسئلة كثيرة بلا أجوبة، تتعلق بفئات الوافدين وجنسياتهم وأعمارهم ومستوياتهم والأسباب التي جعلتهم يهاجرون وتطلعاتهم نحو المستقبل.

بصرف النظر عن الجنسيات غير المغربية من بلدان جنوب الصحراء والجزائر وتونس والسودان واليمن وعددهم نحو 2500 شخص حسب تصريحات سلطات سبتة المحتلة، يجب التركيز الآن فقط على أبناء الوطن، الذين بلغ عددهم، خلال 48 ساعة، أكثر من 60 ألف شخص، غادرت الغالبية الساحقة منهم المدينة في اليوم التالي، بينما ظل ما بين 3000 و5000 شخص ضمنهم 2500 قاصر.

بعد مرور ثلاثة أسابيع على الحادث، بدأت الأخبار عن الواصلين إلى سبتة المحتلة تصل تباعا مرفقة بتصريحات على ألسنتهم في أشرطة فيديو تناقلها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. مشكلة مادة خام لدراسة ظاهرة النزوح الجماعي لهؤلاء الأشخاص، ومعرفة الأسباب وتقييم المخاطر والبحث عن الحلول.

أكثر من موجة عابرة هي ظاهرة مقلقة

هناك أسباب خارجية تقف وراء موجة الهجرة تلك، وتتحمل مسؤوليتها أطراف إقليمية لها مصلحة في زعزعة استقرار المغرب وتصفية حسابات جيو سياسية عالقة، لكن هناك الأسباب الداخلية التي وفرت المادة الخام لصنع تلك القنبلة البشرية.

للوهلة الأولى يجمع الباحثون والسياسيون والرأي العام على حد سواء، على أن السبب الرئيسي هو رغبة المواطنين في تحسين أوضاعهم المعيشية المثقلة بضعف الأجور، وغلاء المعيشة، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف الخدمات الاجتماعية.

لكن هذه الأسباب، وهي حقيقة لا يمكن إغفالها، توجد في بلدان كثيرة وبمستويات أكثر فظاعة مما عليه الأمر في المغرب، بينما لا يتم التعليق عليها بعبارات تحمل الكراهية للوطن، كما حملتها تصريحات بعض النماذج من “المغاربة”، الذين ظهروا في أشرطة الفيديو يتحدثون بسوء عن وطنهم، معتقدين أن ذلك سيجلب لهم عطف السلطات الإسبانية فتسمح لهم بالعبور إلى الضفة الاوروبية.

في مشهدين متباينين، ظهر شاب من اليمن من داخل أحد مراكز الاحتجاز في سبتة المحتلة يتحدث رغبته في الحصول على حق اللجوء في إسبانيا من دون إظهار أي إساءة لبلاده أو للسطات فيها، رغم أن الصحافي بإحدى القنوات الإسبانية كان يستدرجه ليتحدث عن الظروف القبيحة التي يعيشها اليمن والحرب الأهلية الدائرة هناك منذ عام 2014 بعد سيطرة الحوثيين على السلطة في صنعاء وتقسيم اليمن.

من جهته، ظهر الشاب المغربي يكيل الاتهامات لبلده بأبشع الصفات، ويتحدث عن الفقر والقهر، وعن لاشيء في المغرب. وجاءت تصريحاته مركبة من كلمات تطير بعضها يمنة وأخرى يسرة، وعيناه غير ثابتتان تحدقان في كل الاتجاهات، بحثا عن شيء لا يعرفه، وكل همه أن يحظى بفرصة للعبور نحو أوروبا.

الاحتيال على اللجوء القانوني

يحدد القانون الدولي شروطا دقيقة لمنح حق اللجوء لمواطني دول لدى دول أخرى، سواء كان لجوء مدنيا أو لجوء سياسيا. ويعتبر كل مترشح للهجرة غير النظامية خارج نطاق تلك الشروط شخصا مرفوضا.

في إحصاءيات الوكالات التابعة للأمم المتحدة ذات الصلة بحق اللجوء، لا يوجد لاجئون من المغرب، إلا في حالات ناذرة منحت لأشخاص يعدون على رؤوس الأصابع بخلفيات سياسية، وكان ذلك في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. أما في الوقت الحالي لا يوجد بحسب تقييم المنظمات الدولية الحقوقية ما يستدعي منح القادمين من المغرب صفة اللجوء، وذلك بناء على تقارير دولية موثوقة تقر بالإصلاحات السياسية، التي اعتمدها المغرب وفي مقدمتها “هيئة الإنصاف والمصالحة”، التي تمكن من خلالها من طي صفحة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان، وهي مبادرة تحولت في ما بعد إلى مرجع دولي.

على الصعيد الاجتماعي وبموازاة مع الاصلاحات السياسية شهد المفرب أوراشا كبرى، خلال ربع القرن الأخير، همت مجالات الأسرة والطفل والمرأة ومكافحة التطرف والانفتاح على الثقافات ودمقطرة الانترنيت وحرية التعبير.

وعلى الصعيد الاقتصادي، عرف المغرب تطورا ملفتا أصبح بموجبه قبلة لاستثمارات دولية عابرة للقارات أطلقت أنشطة غير مسبوقة في المجالات الصناعية والزراعية والخدماتية، مع ظهور بنية تحتية آخذة في التطور همت الطرق السيارة والمطارات والموانئ والقطارات والمنشآت الرياضية والطبية والسياحية.

لذلك يتعدر على الدول والمنظمات الدولية التعامل مع المواطن المغربي باعتباره في حالة لجوء، ولذلك أيضا يحاول الكثير من المواطنين المغاربة إما إخفاء هويتهم والتظاهر بأنهم من بلدان تشهد أزمات وحروب مثل سوريا واليمن والعراق، وإما إظهار حالة قسوى من التذمر من الأوضاع المعيشية في المغرب. فلماذا يفعل بعض المغاربة ذلك؟

أزمة نفسية بنيوية مستفحلة

بالنظر إلى الشرائح الاجتماعية المختلفة التي انخرطت في موجة الهجرة نحو سبتة المحتلة، يمكن فهم الأسباب العميقة وراء هذا التطرف في كراهية الواقع المعاش. فالأمر يتعلق بشباب ورجال وأطفال ونساء وأمهات من طبقات اجتماعية مختلفة منها العاطل والشغيل والتلميذ والطالب.

إذا سلمنا فرضا بأن شابا في الثلاثين من العمر حاصل على دبلوم يعاني البطالة ويريد العبور إلى الضفة الأوروبية لإيجاد فرصة للعمل فالأمر منطقي. لكن عندما يتعلق الحال بطفل في الرابعة عشر أو بفتاة في الخامسة عشر من العمر ، أو بأم ورضيعها أو بزوجة وأطفالها فالمسأة فيها نظر وتحتاج إلى طرح أسئلة جوهرية مع توفير الأجوبة الحقيقية المقنعة.

إن ما يقوي نزعة الهروب لدى هذه الشرائح من المجتمع، ليس ما يوجد افتراضا من نعيم في أوروبا، ولكن بسبب ما لا يتوفر لديها من وازع للبقاء والاستقرار في بيئتها. فهي عناصر لا تملك الوسائل المعنوية للبقاء، لا حب للذات، لا تعلق بالأسرة، لا ارتباط بالوطن، فهي فاقدة للشعور بالوجود في الجغرافيا التي تعيش فيها، وكل ما تبحث عنه هو المكان الآخر، الذي طالما سلب وجدانها من خلال صورة نمطية تناقلتها عبر الأجيال وكرسها الاتصال عبر مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي.

في مشهد مثير للشفقة، ظهرت مجموعة من الفتيات دون سن الخامسة عشر يقدمن أجوبة لتبرير التحاقهن بسبتة المحتلة لأحد المؤثرين الاوروبيين عبر قناته الدائعة الصيت، حركات الجسد مرتبكة، نظرات شاردة، كلمات بالإنجليزية وأحيانا بالفرنسبة ملتقطة من غرف الدردشة المتعددة الجنسيات، ألفاظ مقززة ضد الوطن، والخلاصة لا يعرفن إلى أين هن ذاهبات.

الجهات المسؤولة تنفي مسؤوليتها

لا أحد يريد تحمل المسؤولية، وكل طرف يلقيها على عاتق الطرف الآخر. فالأسرة ترمي الكرة في شباك المجتمع، والمجتمع يحولها إلى شباك الدولة، والدولة تقدفها خارج الشباك، داعية الدول الأوروبية لتحمل مسؤوليتها. بينما في الواقع كل الأطراف لها جزء من المسؤولية.

على صعيد الفرد، عندما يكون راشدا فهو مسؤول عن خياراته، ويجب عليه ان يقدر مخاطر الهجرة غير الشرعية، عندما يتطلع إلى الافضل عليه ان يستحضر الأسوأ على قول اسلافنا (شاف الربيع ما شاف الحافة).

في أيامنا هاته، انتشر بين أفراد الشعب مصطلح غريب (الهوتة)، وأصبح له مدلول مادي قوي، ويعنى فرصة تحقيق الربح السريع دون أدنى جهد. كان لهذا الإصطلاح الاثر البالغ في تحريك جحافل البشر نحو سبتة المحتلة بحثا عن الهوتة. حيث توجد نسبة كبيرة بين الهاربين من الاشخاص لهم اعمال ووظائف ومصالح وأسر تركوها، معتبرون العبور إلىىسبتة هوتة.

على صعيد الأسرة، تأكدت فعلا خطورة العبارة المغربية القائلة “ولد وطلق”، فالأطفال والفتيات دون سن الرشد، الذين يفترشون في هذه الاثناء الأرصفة في زقاق سبتة والغابة المحيطة بها، ومعرضون لأبشع انواع الجرائم، لم يكن لأولياء أمورهم أدنى اهتمام بهم. وثمة قاعدة ثابثة في علم النفس تؤكد “أن من لا يشعر بعطف الأسرة لا يجد أي عطف في المجتمع”، ربما لذلك ذهبوا يبحثون عن العطف في إسبانيا.

على صعيد المجتمع والدولة، فالمسؤولية منوطة بالمؤسسات التي تؤدي عملها بلا روح وطنية حقيقية. خلل فظيع في التعليم، انفلات خطير في الإعلام، موت كلينيكي في دور العبادة، تفاوت بلا حدود في الرواتب والامتيازات في سوق الشغل، فوارق صارخة في مستويات العيش. أداء بلا ضمير في قطاع الخدمات الاجتماعية، تقصير في المسؤوليات …

خلاصة القول

إن ما حدث في سبتة المحتلة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد موجة هجرة عابرة، ولا أن يختزل في أرقام العابرين وصورهم وهم يخوضون البحر. إنها رسالة اجتماعية قاسية تكشف خللا يتجاوز الرغبة في الهجرة، ويمس علاقة الإنسان بأسرته ومجتمعه ووطنه ومستقبله. وإذا كان بعض الواصلين قد اندفعوا وراء وهم “الهوتة”، فإن المسؤولية الحقيقية تبدأ من فهم الأسباب التي جعلت هذا الوهم أقوى من الأمل في المستقبل داخل الوطن.

لا يكفي إيقاف العابرين أو إعادتهم إلى أسرهم، كما لا يكفي تبادل المسؤوليات بين الأسرة والمجتمع والدولة. المطلوب هو إعادة بناء الثقة والأمل، وتقوية دور الأسرة والمدرسة والإعلام، وتوفير فرص حقيقية للشباب للعيش والعمل بكرامة. فالهروب عبر سبتة ليس هو المشكلة، وإنما المرآة التي كشفت جزءا من أزمة أعمق. والحدود تستطيع أن تمنع العبور، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع اليأس، أما بناء الإنسان وإقناعه بأن له مستقبلا يستحق أن يعيش من أجله داخل وطنه، فذلك هو التحدي الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة