المغرب في الحسابات الأوروبية لتنويع إمدادات الغاز وسط تصاعد التنافس الروسي في إفريقيا

تقرير دولي يبرز الأهمية الاستراتيجية للمملكة في مسارات الطاقة بين إفريقيا وأوروبا، ويحذر من تداعيات التوترات الجيوسياسية على مشاريع الغاز

يتزايد الحضور المغربي في الحسابات الأوروبية المرتبطة بأمن الطاقة، في وقت تشهد فيه سوق الغاز الإفريقية تنافساً متنامياً بين موسكو والاتحاد الأوروبي، على خلفية المساعي الأوروبية لتقليص الاعتماد على الإمدادات الروسية وتنويع مصادرها، مقابل سعي روسيا إلى الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي في القارة الإفريقية.
وسلط تقرير نشرته منصة UNITED24 Media المتخصصة في تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بعنوان: «أوروبا خفضت اعتمادها على الغاز الروسي.. والآن روسيا تستهدف البدائل في إفريقيا»، الضوء على الموقع المتنامي للمغرب ضمن خريطة البدائل الطاقية التي تنظر إليها أوروبا، إلى جانب عدد من دول شمال إفريقيا، من بينها الجزائر وتونس وليبيا ومصر.
المغرب.. موقع استراتيجي في معادلة الطاقة
ويبرز التقرير الأهمية المتزايدة لشمال إفريقيا في الاستراتيجية الأوروبية الرامية إلى تأمين مصادر بديلة للغاز الروسي، سواء عبر الغاز الطبيعي أو الغاز الطبيعي المسال، في إطار إعادة ترتيب خريطة موردي الطاقة وتقليص المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على مصدر واحد.
وفي هذا السياق، يكتسب المغرب أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه الجغرافي الذي يؤهله للاضطلاع بدور في الربط بين شبكات الطاقة الإفريقية والأوروبية. كما يبرز اسم المملكة، إلى جانب نيجيريا، في المشاريع الطموحة الهادفة إلى تعزيز التكامل الطاقي بين القارتين، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.
ولا تقتصر أهمية المغرب في هذه المعادلة على موقعه الجغرافي، وإنما تشمل أيضاً قدرته على احتضان وربط البنيات التحتية للطاقة وتوفير مسارات إضافية يمكن أن تسهم في تعزيز أمن الإمدادات الأوروبية على المدى البعيد.
النفوذ الروسي يفرض معادلة جديدة
في المقابل، يربط التقرير بين تنامي الحضور الروسي في إفريقيا والمنافسة على مسارات الطاقة التي تراهن عليها أوروبا كبدائل للإمدادات الروسية.
وبحسب المصدر ذاته، فإن توسع النفوذ الروسي، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية، قد يفرض تحديات إضافية أمام مشاريع البنية التحتية الطاقية العابرة للحدود، في ظل هشاشة الوضع الأمني والسياسي في عدد من مناطق القارة.
وتبرز منطقة الساحل بشكل خاص ضمن هذه المعادلة، نظراً إلى موقعها الجغرافي الرابط بين غرب إفريقيا وشمالها، وما يمكن أن تفرضه الاضطرابات الأمنية من مخاطر على مشاريع نقل الغاز والبنية التحتية المرتبطة بها.
أوروبا تعيد رسم خريطة إمداداتها
ويأتي هذا التنافس في سياق التحول الذي عرفته منظومة الطاقة الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. ووفق التقرير، نجح الاتحاد الأوروبي في تقليص حصة الغاز الروسي من نحو 45 في المائة إلى 13 في المائة، في وقت تراجعت فيه الإمدادات عبر خطوط الأنابيب بشكل كبير.
ويرتبط هذا التحول، وفق المصدر نفسه، بالإجراءات التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في إطار خطة REPowerEU، والتي تستهدف تقليص الاعتماد على الوقود الروسي، وتسريع تنويع مصادر الطاقة، والبحث عن موردين ومسارات جديدة للإمدادات.
وأدى هذا التوجه إلى تعزيز أهمية القارة الإفريقية في الحسابات الطاقية الأوروبية، بالنظر إلى ما تتوفر عليه دول شمال وغرب إفريقيا من إمكانات في مجال إنتاج الغاز وتصديره، فضلاً عن قربها الجغرافي من السوق الأوروبية.
مشاريع الأنابيب في مواجهة المخاطر الجيوسياسية
ويستحضر التقرير مشروع خط أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، باعتباره أحد المشاريع التي يمكن أن تعزز تدفقات الغاز الإفريقي نحو أوروبا. ويمتد الخط، وفق المعطيات الواردة في التقرير، على مسافة تقارب 4128 كيلومتراً، مع قدرة مستهدفة تصل إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنوياً.
ويأتي المشروع ضمن مجموعة من المبادرات الهادفة إلى تطوير ممرات جديدة لنقل الغاز من غرب إفريقيا إلى الأسواق الأوروبية، بما يتيح للقارة تنويع مصادرها ومساراتها وتقليص تعرضها للصدمات الجيوسياسية.
غير أن مستقبل هذه المشاريع يظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالاستقرار السياسي والأمني في المناطق التي تمر عبرها، ولا سيما منطقة الساحل، التي أصبحت إحدى أبرز بؤر التوتر في القارة خلال السنوات الأخيرة.
المغرب في واجهة التحولات الطاقية
وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن التحول في سوق الغاز الأوروبية لا يرتبط فقط بالبحث عن موردين جدد، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بتأمين البنية التحتية والمسارات التي تتيح نقل الطاقة من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المستهلكة.
وفي هذا الإطار، يبرز المغرب كأحد الفاعلين ذوي الموقع الاستراتيجي في معادلة الربط الطاقي بين إفريقيا وأوروبا، مستفيداً من موقعه الجغرافي ومن المشاريع التي تستهدف تعزيز التعاون الطاقي مع دول غرب إفريقيا.
ويؤكد هذا السياق أن مستقبل أمن الطاقة الأوروبي بات يتجاوز مسألة تأمين الغاز إلى إدارة شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية. ومع استمرار المنافسة الدولية على النفوذ في إفريقيا، ستظل حماية مشاريع الطاقة وضمان استقرار مسارات الإمداد عاملاً حاسماً في قدرة أوروبا على ترسيخ بدائل مستدامة للغاز الروسي.
وبذلك، لا يبدو المغرب مجرد محطة جغرافية على خريطة مشاريع الطاقة بين القارتين، بل طرفاً مرشحاً لاكتساب أهمية أكبر في التحولات التي تعيد رسم مستقبل سوق الغاز الإفريقية وعلاقاتها بالطاقة الأوروبية.




