قضايا و آراء

إطلاق 82 جندياً مالياً يفتح باب الوساطة الإقليمية

أعاد إطلاق سراح 82 جندياً مالياً، في 13 غشت 2026، بينهم محتجزون منذ سنوات، ملف الصراع في شمال مالي إلى واجهة المشهد، ليس فقط من زاوية البعد الإنساني للعملية، وإنما أيضاً باعتبارها محطة جديدة في صراع الروايات بين السلطات في باماكو وجبهة تحرير أزواد.

فالعملية، التي أعادت عشرات الجنود إلى عائلاتهم، حملت في بيانات وتصريحات أطرافها قراءات متباينة، عكست استمرار الهوة السياسية والعسكرية بين الجانبين، وطرحت في الوقت نفسه تساؤلات حول القنوات التي أفضت إلى إتمام عملية الإفراج، والأطراف الإقليمية التي قد تكون ساهمت في إنجاحها.

صراع الروايات.. عملية عسكرية أم مبادرة إنسانية؟
قدمت هيئة أركان الجيش المالي العملية باعتبارها نتيجة «تخطيط دقيق» و«مبادرة عملياتية ناجحة» لتحرير رهائن من قبضة جماعات تصفها باماكو بالإرهابية، في خطاب ينسجم مع المقاربة الرسمية التي تتعامل مع النزاع في شمال البلاد من منظور أمني وعسكري بالدرجة الأولى.

في المقابل، اختارت جبهة تحرير أزواد تقديم عملية الإفراج من زاوية مختلفة، ركزت على البعد الإنساني والديني، مع التأكيد على احترام مبادئ الإسلام والقانون الدولي الإنساني، مع الحرص في الوقت ذاته على نفي أي قراءة يمكن أن تُفهم باعتبار الإفراج عن الجنود اعترافاً بشرعية سياسية أو عسكرية للجبهة.

هذا التباين في الخطاب لا يبدو عرضياً. فكل طرف يسعى إلى ضبط الرواية التي ستخرج بها العملية إلى الرأي العام: باماكو تريد تثبيت صورة الدولة القادرة على استعادة جنودها وحماية مواطنيها، بينما تحاول جبهة تحرير أزواد تقديم نفسها باعتبارها طرفاً يتعامل مع ملف الأسرى وفق اعتبارات إنسانية، بعيداً عن الاعتراف بالخطاب الرسمي المالي حولها.

وبذلك، تحولت عملية الإفراج عن الأسرى، رغم طابعها الإنساني، إلى مساحة أخرى من الصراع السياسي والإعلامي بين الطرفين.

توقيت لافت.. هل نحن أمام صفقة غير معلنة؟
يزداد المشهد تعقيداً بالنظر إلى التزامن بين الإفراج عن الجنود الماليين وخطوة اتخذتها باماكو تجاه مواطن فرنسي كانت العدالة المالية قد أدانته بتهم تتعلق بالتجسس ومحاولة زعزعة الأمن القومي، وهي اتهامات ترفضها باريس.

فبعد وقت قصير من الإعلان عن إطلاق سراح الجنود، صدر قرار بالعفو عن المواطن الفرنسي، الأمر الذي فتح الباب أمام تأويلات بشأن وجود تفاهمات أو مقايضات غير معلنة خلف الكواليس.

ومن منظور سياسي، يمكن لهذا التزامن أن يخدم أكثر من رواية. فأنصار السلطة في باماكو قد يوظفونه للتأكيد على وجود ارتباطات خارجية بملف الجماعات المسلحة في الساحل، بينما يمكن لخصوم السلطة استخدامه للتشكيك في الرواية الرسمية التي قدمت الإفراج عن الجنود باعتباره نتيجة مباشرة لعملية عسكرية.

في المقابل، تداولت أوساط غير رسمية قريبة من جبهة تحرير أزواد رواية أخرى، مفادها أن الإفراج عن أحد قادتها الميدانيين المعتقلين في النيجر كان جزءاً من التفاهم الذي أفضى إلى إطلاق سراح الجنود الماليين.

غير أن هذه الرواية تظل بحاجة إلى إثبات مستقل، خصوصاً مع وجود معطيات تفيد بأن قضية القائد الميداني كانت قد سُويت قبل ملف الأسرى الماليين، وبعيداً عن الأضواء.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين ما هو معلن رسمياً وما هو متداول في الكواليس، إذ إن غياب وثائق أو تصريحات مباشرة من الأطراف المعنية يجعل الحديث عن صفقة متكاملة أمراً يصعب الجزم به.

النيجر.. وسيط يتحرك بهدوء
خلف المشهد العلني، تبرز النيجر باعتبارها أحد الأطراف التي قد تكون لعبت دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر.

وتشير معطيات متداولة من مصدر مطلع على الملف إلى أن نيامي قادت جهود وساطة مكثفة، مستفيدة من اتصالات ميدانية شارك فيها زعماء تقليديون في منطقة أغاديز، إلى جانب دور دبلوماسي نُسب إلى سفير النيجر لدى تشاد في التواصل الأولي مع قيادات جبهة تحرير أزواد.

وبحسب المصدر نفسه، اتخذت النيجر خطوة لبناء الثقة من خلال إطلاق سراح قائد ميداني في الجبهة كان محتجزاً لديها، وذلك في سياق مساعٍ لتهيئة الظروف أمام التوصل إلى تفاهم بشأن الجنود الماليين، ولا سيما من يعانون من أمراض مزمنة.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الدور النيجري لا يقتصر على الوساطة التقنية، بل يعكس محاولة من نيامي لاستعادة دور إقليمي في ملف أمني شديد الحساسية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية والقبلية في منطقة الساحل.

الجزائر.. لاعب غير مباشر في المشهد؟
يصعب، في المقابل، تجاهل الجزائر عند قراءة التحركات الدبلوماسية الجديدة في المنطقة.

فالتقارب المتزايد بين الجزائر والنيجر خلال الفترة الأخيرة يوفر سياقاً إقليمياً مهماً لفهم قدرة نيامي على التحرك في ملفات الساحل، خصوصاً في ظل التعاون الأمني والدبلوماسي المتنامي بين البلدين.

ومن المؤشرات اللافتة في هذا السياق تقديم الجزائر دعماً عسكرياً للنيجر، بالتزامن مع تعاون أمني أفضى إلى إعادة مواطن ألماني كان قد اختُطف في النيجر، وهي عملية تفترض مستوى من التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الطرفين.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجزائر كانت طرفاً مباشراً في صفقة الأسرى الماليين، لكن التقارب الجزائري ــ النيجري قد يكون ساهم في خلق بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لتحرك نيامي، وفتح قنوات اتصال غير مباشرة يمكن أن تساعد في إدارة الملفات الحساسة بعيداً عن الأضواء.

ومن هذه الزاوية، قد تكون أهمية الجزائر في هذه القضية مرتبطة أكثر بتهيئة المناخ الإقليمي للوساطة منها بالتدخل المباشر في تفاصيل عملية الإفراج.

إفراج إنساني أم بداية لمسار جديد؟
إن إطلاق سراح الجنود الماليين يمثل، قبل كل شيء، تطوراً إنسانياً مهماً أنهى معاناة عشرات الأسر وأعاد محتجزين إلى ذويهم. لكن من المبكر تحميل العملية أكثر مما تحتمل سياسياً.

فالمواقف الأساسية للطرفين لم تتغير: باماكو لا تزال تنظر إلى خصومها في شمال البلاد من منظور أمني، فيما تتمسك جبهة تحرير أزواد بمطالبها السياسية، الأمر الذي يجعل الانتقال من ملف الأسرى إلى تسوية سياسية شاملة مساراً بالغ التعقيد.

ومع ذلك، فإن نجاح وساطة إقليمية، إذا تأكدت تفاصيلها، قد يفتح نافذة محدودة لإطلاق مبادرات مماثلة، سواء لتبادل الأسرى أو لمعالجة ملفات إنسانية أخرى، وربما لإعادة اختبار فكرة الوساطة الإقليمية في النزاع.

لكن ذلك سيظل رهيناً بمدى استعداد باماكو وأزواد للانتقال من إدارة نتائج الصراع إلى البحث في أسبابه السياسية.

هل تتحول الوساطة إلى مسار تفاوضي؟
السؤال الأهم الذي تطرحه عملية الإفراج لا يتعلق فقط بهوية من توسط أو بما حصل عليه كل طرف في المقابل، وإنما بما إذا كانت هذه الخطوة يمكن أن تتحول إلى بداية لمسار أوسع.

فإذا بقيت العملية محصورة في إطار إنساني وأمني، فقد لا تتجاوز كونها هدنة محدودة في ملف الأسرى. أما إذا نجحت النيجر، بدعم إقليمي محتمل من الجزائر وغيرها، في بناء قنوات اتصال مستقرة بين الأطراف، فقد تشكل العملية نواة لمسار تفاوضي جديد.

وبين هذين الاحتمالين، يظل مستقبل شمال مالي مفتوحاً على سيناريوهين: إما أن يكون الإفراج عن الجنود خطوة أولى نحو بناء الثقة وإحياء الوساطة الإقليمية، أو مجرد استراحة قصيرة في صراع لم تتغير قواعده الأساسية بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة