البكوري ينتقد البرنامج الحكومي.. وماذا عن حصيلة المرحلة التي صنعت البطالة وغلاء المعيشة؟

حين تتحول الانتقادات السياسية إلى منصة لتشريح برامج الخصوم، يصبح من المشروع التساؤل عن حدود النقد، ومدى انسجام الخطاب السياسي مع المسؤولية عن الحصيلة السابقة.

في مشهد سياسي يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود الممارسة المعارضة وذاكرة الفاعلين السياسيين، وجّه رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، البكوري، انتقادات للبرنامج الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري، معتبراً أنه يفتقر إلى الدقة في تحديد الأهداف ومصادر التمويل والجدولة الزمنية، ولا يقدم أجوبة عملية كافية عن ملفات البطالة وغلاء المعيشة وإصلاح التقاعد والتنمية القروية.
وخلال الجلسة العمومية المنعقدة بمجلس المستشارين يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، لم يكتف البكوري بالتشكيك في مضامين البرنامج، بل ذهب إلى مساءلة مدى الانسجام السياسي والفكري لمكونات الأغلبية الحالية، متسائلاً عن طبيعة التقارب بين أطراف تختلف مرجعياتها وتصوراتها الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذا الخطاب النقدي يفتح بدوره باباً مشروعاً للمساءلة: هل يكفي تشخيص اختلالات البرامج الحكومية، أم أن المصداقية السياسية تقتضي أيضاً مواجهة آثار السياسات السابقة وتحمل المسؤولية عن نتائجها؟
فالبطالة التي تؤرق الشباب، والغلاء الذي يستنزف القدرة الشرائية للأسر، والتفاوتات المجالية التي تثقل كاهل العالم القروي، ليست ملفات طارئة ظهرت خارج سياق التدبير الحكومي، بل هي قضايا تراكمت وتفاقمت في ظل اختيارات سياسية واقتصادية تستحق التقييم والمحاسبة. كما أن صعود تعبيرات من قبيل «لفراقشية» في التداول الشعبي يعكس، في جانب منه، احتقاناً اجتماعياً وتساؤلات متزايدة حول الأسعار وهوامش الوساطة التجارية وعدالة السوق، دون أن يغني ذلك عن تحديد المسؤوليات استناداً إلى الوقائع والمعطيات.
ومن هنا، فإن انتقاد البرنامج الحكومي الجديد لا يعفي أي طرف من مواجهة الأسئلة المرتبطة بحصيلته السابقة. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة لا تعنيه كثيراً حدة السجال بين الفرقاء بقدر ما تعنيه النتائج الملموسة، كما أن الشاب الباحث عن فرصة عمل لا ينتظر تبادل الاتهامات، بل يريد سياسات قابلة للقياس ومواعيد واضحة للمحاسبة.
وفي نقطة أخرى، أصاب البكوري جانباً مهماً من النقاش حين أشار إلى أن تغيير التحالفات الحكومية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات. فهذه الملاحظة تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بقطيعة فعلية مع اختلالات المرحلة السابقة، أم بمجرد إعادة ترتيب للمكونات السياسية مع استمرار الاختيارات ذاتها؟ وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه بالشعارات، وإنما بمقارنة دقيقة بين البرامج والأهداف والاعتمادات المالية والنتائج المنتظرة.
كما أن الاكتفاء بإعلان الطموحات العامة، دون تحديد آليات التنفيذ ومصادر التمويل والجدولة الزمنية، يظل نقطة ضعف في أي برنامج حكومي، مهما كانت الجهة التي تقدمه. فالبرامج لا تُقاس بعدد الوعود الواردة فيها، بل بقدرتها على التحول إلى إجراءات واضحة، وبمدى إمكانية تتبع تنفيذها ومساءلة المسؤولين عنها.
أما إعلان فريق التجمع الوطني للأحرار عزمه ممارسة معارضة مسؤولة وبناءة، فهو التزام سياسي ينبغي أن يُختبر بالممارسة، لا بمجرد التصريحات. فالمعارضة الجادة لا تكتفي بتفكيك خطاب الحكومة أو التشكيك في انسجام أغلبيتها، بل تقدم بدائل قابلة للتطبيق، وتكشف مكامن الخلل بالأرقام والحجج، وتخضع مواقفها هي الأخرى لمعيار الاتساق والمصداقية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب النقاش السياسي هو أن يتحول إلى تبادل للأدوار في توزيع الانتقادات، بينما تظل معاناة المواطنين ثابتة لا تتغير. ومن حق البكوري أن ينتقد البرنامج الحكومي، كما أن من حق الرأي العام أن يسائله، ويسائل مختلف الفرقاء، عن حصيلة السياسات التي دافعوا عنها أو شاركوا في تدبيرها.
في نهاية المطاف، لا يحتاج المغاربة إلى سباق في البلاغة السياسية، بل إلى مواجهة صريحة مع أسباب البطالة والغلاء والتفاوتات الاجتماعية. أما المصداقية، فلا تُكتسب برفع سقف الانتقاد وحده، وإنما بالقدرة على تقديم البدائل، والاعتراف بأوجه القصور، وتحمل المسؤولية عن القرارات والنتائج. ذلك هو الفارق بين معارضة تبحث عن موقع في المشهد السياسي، ومعارضة تجعل من مصالح المواطنين معياراً فعلياً لمواقفها.




