موسم طانطان ورهان صون التراث الحساني: بين الاعتراف الدولي وتحديات الاستدامة

يحتل موسم طانطان، المنظم بجنوب المملكة المغربية، مكانة بارزة ضمن التظاهرات الثقافية والتراثية التي تستحضر الموروث الحساني وتبرز غنى مكوناته الحضارية والاجتماعية. فمن خلال استعراض أنماط العيش الصحراوي، وإحياء الفنون التعبيرية، وعرض الحرف التقليدية، واستحضار العادات والممارسات المتوارثة، يشكل الموسم فضاءً لاستعادة الذاكرة الجماعية للمجتمعات الحسانية والتعريف بخصوصياتها الثقافية. وقد تعززت مكانته الرمزية بإدراجه سنة 2008 في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، ضمن إعلان سابق صدر سنة 2005، وهو ما أضفى على هذه التظاهرة بعدًا دوليًا يتجاوز حدود الاحتفاء المحلي بالموروث.

ومنذ انطلاقته سنة 1963، ارتبط موسم طانطان باستحضار حياة الرحل وما تختزنه من معارف ومهارات وأنماط للتنظيم الاجتماعي، فضلًا عن إبراز الثقافة الحسانية في أبعادها الشفوية والفنية والرمزية. غير أن التحولات التي عرفتها التظاهرة، وتزايد رهاناتها السياحية والاقتصادية والفرجوية، يطرحان تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على أداء وظيفتها الثقافية والتوثيقية، وحول حدود الانتقال من عرض مظاهر التراث إلى صونه باعتباره منظومة متكاملة من المعارف والممارسات التي تتطلب الحماية والتجديد والتوارث.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الدور الذي يضطلع به الموسم في خدمة التراث الحساني لا ينبغي أن يقتصر على حجم المشاركة الجماهيرية أو تنوع الفقرات الاحتفالية، بل يستدعي النظر في عمق المضامين المقدمة، ومدى تمثيلها لخصوصيات الثقافة الصحراوية، وقدرتها على نقل معارفها إلى الأجيال الصاعدة، وضمان استمراريتها في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.
أولًا: تجليات التراث الحساني في موسم طانطان بين العرض الاحتفالي والتأطير المعرفي
تتجلى أهمية موسم طانطان في تنوع الأنشطة التي يستحضر من خلالها مظاهر الحياة التقليدية في المجتمع الصحراوي، من عروض الفروسية وسباقات الإبل إلى الخيام الموضوعاتية والأزياء التقليدية والفنون الشعبية والممارسات الاحتفالية. وتتيح هذه الأنشطة للجمهور فرصة التعرف على جوانب من التراث الحساني، كما تسهم في إعادة إحياء بعض الممارسات التي تراجعت بفعل تغير أنماط العيش وتبدل شروط انتقال المعرفة بين الأجيال.
غير أن القيمة الثقافية لهذه الفقرات تظل رهينة بمدى قدرتها على تجاوز العرض البصري إلى التفسير والتوثيق والتعريف بالسياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها الممارسات التراثية. فإظهار العنصر التراثي لا يعني بالضرورة تقديم معرفة متكاملة بشأنه؛ إذ قد يتحول التراث، في غياب التأطير الثقافي الكافي، إلى مشهد احتفالي منفصل عن دلالاته الأصلية ووظائفه داخل المجتمع.
ويبرز هذا الإشكال بوضوح في تقديم اللباس التقليدي الحساني، الذي لا يمثل مجرد مظهر جمالي أو عنصرًا من عناصر الفرجة، بل يعكس منظومة من الدلالات المرتبطة بالهوية والانتماء والخصوصية الاجتماعية والبيئة الصحراوية. ومن ثم، فإن تثمين هذا المكون يقتضي التعريف بأنواعه وتسمياته وطرق صناعته واستعمالاته الاجتماعية، مع إبراز المهارات الحرفية والمعارف المتوارثة التي تسهم في استمراره.
وينطبق الأمر ذاته على الخيمة الصحراوية، التي تعد من أبرز الرموز المادية المرتبطة بأنماط العيش الرحلي. فهي ليست مجرد فضاء للإقامة، وإنما تمثل بنية اجتماعية وثقافية تتجسد فيها قيم الضيافة والتكافل والتضامن الأسري، فضلًا عن ارتباطها بالذاكرة الجماعية وأساليب تدبير الحياة في المجال الصحراوي. لذلك، فإن عرض الخيمة ضمن فضاء احتفالي ينبغي أن يقترن بتقديم شروحات وافية حول موادها وطرق نسجها وتركيبها، ووظائفها الاجتماعية، وما يرتبط بها من مهارات ومعارف تقليدية.
كما يطرح الحفاظ على صناعة الخيام التقليدية ضرورة دعم الحرفيين العاملين في هذا المجال، وتشجيع نقل مهارات النسيج إلى الأجيال الجديدة، بما يضمن استمرار الحرفة بوصفها ممارسة ثقافية وموردًا اقتصاديًا في آن واحد. وفي السياق ذاته، يمكن تثمين منتجات الإبل، ولا سيما الوبر، من خلال إيجاد قنوات لتسويقها وتشجيع تحويلها إلى منتجات حرفية ذات قيمة مضافة، بدل إهدار هذه المادة التي يمكن أن تسهم في إحياء أنشطة اقتصادية مرتبطة بالبيئة الصحراوية.
ومن الجوانب التي تستحق مزيدًا من الاهتمام أيضًا المعارف الطبية التقليدية المرتبطة باستعمال النباتات والمواد الطبيعية في الممارسات العلاجية الشعبية، إلى جانب ما تناقلته الذاكرة الشفوية من خبرات علاجية وتدخلات جراحية تقليدية. فهذه المعارف تشكل جزءًا من تاريخ المجتمعات المحلية وذاكرتها، غير أن توثيقها يقتضي مقاربة علمية دقيقة تميز بين قيمتها التاريخية والأنثروبولوجية وبين صلاحيتها الطبية.
ولا يقل الجانب الاحتفالي أهمية عن بقية المكونات، خصوصًا ما يرتبط بطقوس الزواج والعادات الاجتماعية المصاحبة له. فالأعراس الحسانية تختزن أنماطًا من التعبير الفني والشفهي، وأشكالًا من التفاعل الاجتماعي، وممارسات تتصل باللباس والزينة والموسيقى والضيافة. غير أن تقديم هذه الطقوس في صيغة مختزلة أو مجتزأة قد يؤدي إلى إفراغها من سياقاتها الثقافية، أو تقديم صور لا تعكس بدقة تنوعها وخصوصيتها. ولذلك، فإن صونها يستلزم توثيق روايات حامليها، والتعريف بمراحلها ودلالاتها، مع احترام خصوصية المجتمع المحلي وعدم تحويل ممارساته إلى مجرد مشاهد فرجوية.
أما الألعاب التقليدية والأنشطة الرياضية المرتبطة بالثقافة الحسانية، فتحتاج بدورها إلى مقاربة تتجاوز العرض العابر نحو إبراز أصولها وقواعدها ووظائفها الاجتماعية. وتندرج سباقات الإبل، المعروفة محليًا بتسمية «لز الإبل»، ضمن الممارسات التي ارتبطت تاريخيًا بعلاقة الإنسان الصحراوي بالإبل، سواء من حيث التنقل أو التنافس أو إبراز المهارة والخبرة في التعامل مع الحيوان.
وقد أسهم تطوير مسابقات الإبل وتعزيز التعاون المغربي الإماراتي في توسيع حضور هذا النشاط ضمن البرنامج العام للموسم. غير أن تنامي البعد التنافسي والجوائز المالية يثير سؤالًا حول كيفية تحقيق التوازن بين تطوير هذه الممارسة رياضيًا واقتصاديًا، والمحافظة على أبعادها الثقافية والاجتماعية. فالحوافز المالية ليست في حد ذاتها عاملًا سلبيًا، لكنها قد تؤدي إلى إضعاف البعد التراثي إذا أصبحت الغاية الأساسية من المشاركة، على حساب نقل المعارف المرتبطة بتربية الإبل والعناية بها وتقاليد التنافس المتوارثة.
وعليه، فإن التحدي المطروح لا يتمثل في تقليص الجانب الاحتفالي للموسم، وإنما في إعادة التوازن بين الفرجة والمعرفة، وبين الجاذبية الجماهيرية والعمق الثقافي، بما يجعل كل فقرة مناسبة للتعريف بالموروث الحساني وتفسير دلالاته، بدل الاكتفاء بعرض مظاهره الخارجية.
ثانيًا: المهرجانات الثقافية ومواجهة اندثار الموروث الحساني
في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة، تبرز المهرجانات والتظاهرات التراثية باعتبارها آليات مهمة لإحياء الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي بقيمة الموروث الثقافي. غير أن دورها لا ينبغي أن يقتصر على استحضار الماضي في مناسبات محددة، بل يتعين أن يمتد إلى توفير شروط استمراره وإعادة إدماجه في الحياة اليومية للمجتمع.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى التراث الحساني، الذي يعتمد جزء كبير منه على النقل الشفهي والممارسة المباشرة، سواء تعلق الأمر بالشعر والأمثال والحكايات والأغاني، أم بالمهارات الحرفية والتقاليد الاجتماعية والمعارف المرتبطة بالبيئة الصحراوية. فهذه العناصر معرضة للتراجع عندما تضعف الصلة بين الأجيال، أو تتقلص فرص تعلمها وممارستها، أو تتراجع مكانة حامليها داخل المجتمع.
وفي هذا الإطار، يتيح موسم طانطان إمكانات مهمة للتعريف بهذا الموروث وإبراز قيمته، لكنه يحتاج إلى تعزيز البعد التوثيقي والتربوي في برمجته، حتى لا يظل حضور الثقافة الحسانية مرتبطًا بمدة تنظيم التظاهرة. فالمحافظة على التراث لا تتحقق بمجرد إعادة تمثيل بعض مظاهره خلال أيام الاحتفال، وإنما تتطلب سياسات مستمرة تضمن تسجيل المعارف والمهارات، ودعم ممارسيها، وخلق فرص لتعلمها ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
ويقتضي ذلك، في المقام الأول، إرساء برامج منهجية لتوثيق الذاكرة الشفوية، من خلال تسجيل روايات كبار السن والحرفيين والشعراء والفنانين وحاملي المعارف التقليدية، مع جمع الصور والوثائق والمصطلحات المحلية المرتبطة بالممارسات التراثية. كما يمكن توظيف الوسائط الرقمية في إنشاء أرشيفات صوتية ومرئية تتيح حفظ هذه المواد وتصنيفها وإتاحتها للباحثين والمهتمين، وفق ضوابط تحترم حقوق أصحابها وخصوصيتهم.
ويستدعي هذا التوجه كذلك تعزيز مشاركة الشباب في أنشطة الموسم، ليس فقط باعتبارهم جمهورًا مستهدفًا، وإنما بوصفهم فاعلين محتملين في حماية التراث وإعادة إنتاجه. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنظيم ورشات تطبيقية في الصناعات التقليدية، ولقاءات مباشرة مع الحرفيين والفنانين، وعروض تفسيرية تتيح للناشئة فهم خلفيات الممارسات التراثية ومعانيها، فضلًا عن إدماج بعض عناصر الثقافة الحسانية في مبادرات تربوية وثقافية محلية.
ومن الضروري أيضًا توسيع التعاون بين الجهات المنظمة للموسم والمؤسسات التعليمية والجامعات ومراكز البحث والجمعيات الثقافية، بما يتيح الانتقال من المعالجة الاحتفالية إلى مقاربة قائمة على البحث والتوثيق والتقييم. فإشراك الباحثين في مجالات التاريخ والأنثروبولوجيا واللسانيات والدراسات الثقافية من شأنه أن يسهم في تقديم قراءة أكثر دقة للموروث الحساني، ورصد التحولات التي يعرفها، وتحديد العناصر الأكثر عرضة للاندثار.
ولا تنفصل هذه الجهود عن البعد الاقتصادي؛ إذ إن استدامة التراث تتطلب تحسين الظروف المهنية والاجتماعية لحامليه، وتوفير منافذ لتسويق منتجاتهم، وتشجيع المبادرات المحلية التي تجمع بين المحافظة على المهارات التقليدية وتحقيق دخل مستدام. فالحرفي الذي يجد في مهنته موردًا اقتصاديًا مستقرًا يكون أكثر قدرة على الاستمرار في ممارستها ونقل أسرارها إلى المتعلمين، مقارنة بمن يواجه صعوبات تدفعه إلى التخلي عنها.
ومع ذلك، فإن إدماج التراث في الاقتصاد السياحي ينبغي أن يتم وفق ضوابط واضحة تمنع اختزاله في سلعة استهلاكية، وتحافظ على معناه الثقافي وارتباطه بالمجتمع الذي أنتجه. فالتراث ليس مادة قابلة لإعادة التشكيل بلا حدود وفق متطلبات السوق، وإنما رصيد جماعي تتطلب حمايته احترام سياقاته الاجتماعية والرمزية، وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في تحديد سبل تثمينه والاستفادة من عوائده.
ثالثًا: الاعتراف الدولي بالتراث الحساني وحدود الحماية المؤسساتية
يمثل الاعتراف الدولي بالموروث الثقافي المغربي، ولا سيما عناصره المرتبطة بالفضاء الصحراوي، خطوة مهمة في التعريف بغناه وتعزيز حضوره ضمن النقاشات الدولية المتعلقة بصون التراث الثقافي غير المادي. ويكتسب هذا الاعتراف أهميته من كونه يسلط الضوء على الممارسات والمعارف والفنون التي تنتقل بين الأجيال، ويؤكد ضرورة المحافظة عليها في سياق التحولات التي تهدد استمراريتها.
وفي هذا السياق، تبرز عناصر من الثقافة الحسانية تستحق مزيدًا من البحث والتوثيق والتعريف، من بينها الألعاب التقليدية، مثل السيك وأمريبعة وأكرور، والفنون التعبيرية، وفي مقدمتها رقصة الكدرة وأشكال الطرب الحساني المتنوعة. وتكشف هذه الممارسات عن ثراء الثقافة المحلية وتعدد أشكال تعبيرها، كما تعكس ارتباط الفن واللعب والتنافس بأنماط التنظيم الاجتماعي والذاكرة الجماعية.
غير أن تناول هذه العناصر في سياق الاعتراف الدولي يقتضي التمييز بين التوثيق الثقافي المحلي، والإدراج ضمن قوائم التراث الوطني، والتسجيل الرسمي لدى منظمة اليونسكو. فوجود عنصر ثقافي في البرامج الاحتفالية أو الدراسات المحلية لا يعني بالضرورة أنه مسجل دوليًا، ولذلك ينبغي التحقق من الوضع القانوني والتوثيقي لكل عنصر قبل وصفه بأنه معترف به دوليًا أو مدرج ضمن قوائم المنظمة.
وبغض النظر عن مستوى الاعتراف المؤسساتي الذي تحظى به هذه الممارسات، فإن أهميتها تكمن في ضرورة التعامل معها باعتبارها تراثًا حيًا، لا مجرد رموز تستحضر في المناسبات. فالتسجيل في القوائم الدولية، على أهميته الرمزية والدبلوماسية، لا يشكل في حد ذاته ضمانة لاستمرار التراث، ما لم تقترن به تدابير عملية تستهدف حامليه، وتدعم شروط ممارسته، وتوفر إمكانات نقله إلى الأجيال اللاحقة.
ويبرز هنا الفرق بين الاعتراف بالتراث وصونه؛ فالاعتراف يمنح العنصر الثقافي حضورًا مؤسساتيًا أوسع، ويساعد على التعريف به وتعبئة الاهتمام حوله، بينما يتطلب الصون إجراءات طويلة الأمد، تشمل التوثيق والتكوين والدعم المالي والمؤسساتي، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بتراثها.
كما أن حماية التراث الحساني لا ينبغي أن تنحصر في المحافظة على صوره التاريخية أو إعادة إنتاجها بشكل حرفي، بل يتعين أن تراعي طبيعته المتجددة وقدرته على التكيف مع التحولات الاجتماعية، دون المساس بجوهره أو تحريف معانيه الأساسية. فالتراث الحي يستمد استمراريته من ممارسة المجتمع له وإعادة توظيفه في سياقات متغيرة، وليس من تجميده داخل صورة ثابتة للماضي.
ومن ثم، فإن تعزيز حضور الثقافة الحسانية على المستوى الدولي يستلزم بناء شراكات بين المؤسسات الثقافية والسلطات المحلية والباحثين والجمعيات وحاملي التراث، إلى جانب تطوير آليات علمية لتوثيق عناصره وتصنيفها وتقييم أوضاعها. كما يقتضي ضمان استفادة المجتمعات المحلية من المبادرات الثقافية والسياحية المرتبطة بموروثها، حتى لا ينفصل الاعتراف الرمزي عن التنمية المحلية وتحسين أوضاع الفاعلين الذين يساهمون في استمراره.
رابعًا: نحو نموذج مستدام لصون التراث الحساني من خلال موسم طانطان
إن الانتقال بموسم طانطان من تظاهرة تستحضر الموروث الصحراوي إلى رافعة مستدامة لصونه يقتضي مراجعة بعض آليات البرمجة والتأطير، وإعطاء الأولوية للمضمون الثقافي والمعرفي إلى جانب الجاذبية الاحتفالية. ويتطلب ذلك اعتماد رؤية متكاملة تربط بين العرض والتوثيق، وبين التثمين الاقتصادي والحماية الثقافية، وبين المشاركة الجماهيرية واستمرارية الممارسة التراثية خارج زمن الموسم.
وتبدأ هذه الرؤية بإعداد جرد علمي للعناصر التراثية التي يمثلها الموسم، مع تحديد خصائصها ووظائفها الاجتماعية، ورصد أوضاعها الحالية، ومدى استمرار انتقالها بين الأجيال. ويسمح هذا العمل بتحديد الممارسات المهددة بالتراجع، وتوجيه الموارد نحو العناصر التي تحتاج إلى تدخل عاجل، بدل توزيع الجهود بصورة متساوية دون مراعاة تفاوت درجات الهشاشة.
كما يستدعي الأمر تخصيص فضاءات تفسيرية داخل الموسم، تقدم معلومات موثوقة حول تاريخ الممارسات المعروضة، وتسمياتها المحلية، وأدواتها وطرق إنجازها، ودلالاتها الاجتماعية. ومن شأن ذلك أن يحول الزائر من مجرد متلقٍ للمشهد الاحتفالي إلى مشارك في اكتساب المعرفة، وأن يعزز البعد التربوي للتظاهرة، خصوصًا لدى الأطفال والشباب.
ويظل دعم حاملي التراث شرطًا أساسيًا لإنجاح هذا التوجه، سواء تعلق الأمر بالحرفيين وصناع الخيام، أم بالشعراء والفنانين ورواة الذاكرة الشفوية، أم بالممارسين الذين يحافظون على الألعاب والمهارات التقليدية. فهؤلاء لا يمثلون مجرد مشاركين في برنامج احتفالي، بل يشكلون حلقة أساسية في سلسلة نقل التراث واستمراره. لذلك، فإن إشراكهم في إعداد البرامج وتقييمها، وتوفير ظروف مناسبة لممارسة مهاراتهم، والاعتراف بمساهماتهم المعرفية والثقافية، ينبغي أن يكون من أولويات أي سياسة جادة للصون.
ويمكن كذلك تطوير مؤشرات لتقييم الأثر الثقافي للموسم، لا تقتصر على عدد الزوار أو حجم الأنشطة، وإنما تشمل عدد الورشات التكوينية المنظمة، والمهارات التي جرى نقلها، والمواد التراثية التي تم توثيقها، ومدى مشاركة الشباب، واستمرارية المبادرات بعد انتهاء التظاهرة. فاعتماد هذا النوع من التقييم من شأنه أن يتيح قياس النتائج الفعلية للبرامج، وتحديد مواطن القوة والقصور، وتطوير السياسات الثقافية على أساس معطيات قابلة للتحقق.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية عندما يرتبط بالتنمية المحلية المستدامة؛ إذ يمكن للموسم أن يسهم في خلق فرص اقتصادية مرتبطة بالصناعات التقليدية والمنتجات المحلية والسياحة الثقافية، شريطة أن يتم ذلك في إطار يحفظ أصالة الممارسات ويحترم حقوق أصحابها، ويضمن توزيعًا منصفًا للعوائد. كما يمكن للتعاون بين المؤسسات الثقافية والقطاع التعليمي والفاعلين الاقتصاديين أن يوفر بيئة ملائمة لاستمرار الحرف والفنون والمعارف التقليدية، بدل حصرها في مواسم العرض والاحتفال.




