قضايا و آراء

سبتة.. شاطئ العالقين بين حلم اللجوء وهاجس الترحيل

من شاطئ «إل ترامبولين» بسبتة المحتلة، تتقاطع حكايات مهاجرين قدموا من بلدان مختلفة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام المصير ذاته: انتظار مفتوح على المجهول، وظروف معيشية قاسية، ومستقبل يتأرجح بين طلب اللجوء واحتمال الترحيل.

أرشيف

في شاطئ «إل ترامبولين» بسبتة المحتلة، تبدو الخيام القصبية المتراصة للوهلة الأولى جزءاً من مشهد صيفي عابر. غير أن الاقتراب منها يكشف واقعاً إنسانياً أكثر قسوة؛ أجساد أنهكها السفر، وجوه شاحبة، ملابس رثة وأقدام حافية، فيما يحاول أصحابها تدبير تفاصيل يومهم بما توفر من كرتون وقطع قماش ومياه وطعام محدود.

هنا، اجتمع مصريون ويمنيون وعراقيون وفلسطينيون وسوريون وبنغلاديشيون وهنود، إلى جانب مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء والمغرب. اختلفت لغاتهم وقصصهم ودوافعهم، لكن نقطة النهاية المؤقتة كانت واحدة: سبتة، التي تحولت بالنسبة إليهم من بوابة عبور إلى محطة جديدة من الانتظار والمعاناة.

ويعيد موفد قناة «فرانس24» إلى سبتة، الزميل حمزة حبحوب، في روبورتاجه، رسم تفاصيل هذا المشهد الإنساني المعقد، كاشفاً أن الوصول إلى المدينة لم يكن نهاية الرحلة بالنسبة إلى هؤلاء المهاجرين، بل بداية مرحلة أخرى، عنوانها الغموض القانوني والقلق الإنساني، في انتظار قرار السلطات بشأن مصيرهم.

من الحرب إلى العراء

من بين العالقين، يروي المهاجر اليمني عبد المجيد كيف دفعته الحرب وانعدام أبسط شروط الحياة الكريمة إلى خوض رحلة محفوفة بالمخاطر، انتهت بعبوره سباحة نحو سبتة، قبل موجة العبور الكبرى بيوم واحد.

لكن الوصول لم يضع حداً لمعاناته. فبعد مغادرته مركز الإيواء، وجد نفسه في العراء، داخل خيمة، بعيداً عن أسرته، وهو ينتظر أن يُنظر في طلب لجوئه، مستنداً إلى الوضع الأمني المتدهور في بلده.

أما المصريان طارق ورمضان، فوصلا إلى سبتة بعد رحلة طويلة عبر مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، يصفانها بأنها كانت مليئة بالمخاطر والمطاردات والعنف.

ويقدّر رمضان عدد المصريين الموجودين في سبتة بنحو 55 شخصاً، مؤكداً أن غايتهم الأساسية هي العثور على عمل وحياة أكثر استقراراً، بعد سنوات من الاستنزاف والمخاطر التي رافقت رحلتهم.

انتظار يضاعف القلق

وتحمل قصة صباح، الشابة المغربية البالغة من العمر 18 عاماً، جانباً آخر من هذه الأزمة. فقد تمكنت من الحصول على مكان داخل مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، لكنها لا تزال تعيش تحت وطأة القلق، خصوصاً مع انقطاع التواصل مع عائلتها وعدم وضوح ما ينتظرها في المرحلة المقبلة.

أما إبراهيم، الشاب السوداني في الثلاثينيات، فيتحدث عن ثلاثة أيام عاشها من دون طعام أو ماء، قبل وصول المساعدات. واليوم، لا يزال ينتظر قرار السلطات بشأن وضعه ووضع من يرافقونه، آملاً في الحصول على اللجوء وبدء حياة جديدة بعيداً عن ظروف بلده.

وفي المقابل، وصل رشيد، البالغ 45 عاماً، إلى سبتة بحثاً عن مجتمع أكثر تنظيماً وحياة يعتقد أنها ستكون أكثر حرية، لكنه اصطدم بواقع مختلف تماماً. فظروف العيش القاسية دفعته حتى إلى التفكير في العودة إلى الجزائر، رغم الصعوبات التي تجعل هذا الخيار شبه مستحيل.

ويقول رشيد إن الحصول على وجبة واحدة يومياً أصبح أمراً مألوفاً، موجهاً نصيحة إلى المغاربة القادرين على العودة إلى بلدهم، بألا يواصلوا البقاء في ظروف مماثلة.

من محطة عبور إلى مأزق مفتوح

ومن بين القصص التي يرصدها الروبرتاج أيضاً قصة صبري التونسي، الذي وصل إلى سبتة مستفيداً من موجة العبور، بعد ثمانية أشهر قضاها في المغرب. غير أن الوصول إلى المدينة لم يحقق ما كان يأمله؛ جوع وعطش وانتظار، وسؤال واحد يختصر هواجسه: ماذا ستفعل السلطات بهم؟

أما محمد، السوري الأربعيني، فقد غادر الرباط رفقة عائلة سورية، واستقلوا سيارة باتجاه الفنيدق قبل أن يتمكن من دخول سبتة. وهناك انفصل عن بعض أفراد المجموعة، ليجد نفسه داخل المدينة في ظروف صعبة، بعيداً عن طفله وأفراد أسرته.

ولا تختلف قصة عبد الرحمن، القادم من الموصل، كثيراً عن بقية الحكايات. فقد عاش سنوات في المغرب قبل أن يخوض مغامرة العبور إلى سبتة، أملاً في مواصلة طريقه لاحقاً نحو السويد، حيث يقيم أحد أقاربه.

وفي الجهة الأخرى من الشاطئ، يعيش كامارا النيجيري ومامادو السنغالي على مساعدات محدودة وما يحصلان عليه من التسول. ويؤكدان رفضهما العودة إلى المغرب، في انتظار تسوية وضعيتهما، أملاً في مواصلة الرحلة نحو فرنسا أو الضفة الأوروبية التي يتطلعان إليها.

اللجوء.. حق لا يعني القبول

ولا تقتصر تعقيدات الوضع على الجانب الإنساني، إذ يواجه المهاجرون أيضاً مساراً قانونياً غير واضح بالنسبة إلى كثير منهم.

ويوضح محامون متخصصون أن طلب اللجوء متاح من حيث المبدأ، غير أن تقديم الطلب لا يعني الحصول عليه تلقائياً، إذ يخضع كل ملف لدراسة فردية تراعي جوانب أمنية وصحية وقانونية.

وقد تكون فرص الحماية أكبر بالنسبة إلى القادمين من دول تشهد حروباً أو نزاعات، إلا أن القرار النهائي يبقى بيد السلطات المختصة. في المقابل، قد يواجه القادمون من دول تُصنف على أنها «آمنة» عراقيل أكبر وإجراءات قد تصل إلى الترحيل.

دعوات إلى تدخل عاجل

وفي خضم هذا الوضع، ترى الجمعيات الإنسانية العاملة في سبتة المحتلة أن الأزمة تجاوزت مسألة التدبير المؤقت لتجمع للمهاجرين على شاطئ، لتتحول إلى قضية ترتبط بالاستقبال والكرامة الإنسانية والحق في الوصول إلى الإجراءات القانونية.

وتدعو هذه الجهات إلى توفير إيواء عاجل وظروف معيشية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة، بما في ذلك الماء والغذاء والرعاية، بالتوازي مع ضمان مسار قانوني واضح وشفاف لدراسة أوضاع العالقين.

وبين الخيام القصبية وشاطئ «إل ترامبولين»، يظل مصير هؤلاء المهاجرين معلقاً. فقد قطعوا مسافات طويلة وهرب كثير منهم من الحروب والفقر والمخاطر، معتقدين أن الوصول إلى سبتة سيقربهم من حياة أكثر أمناً. لكن المدينة، بالنسبة إلى عدد منهم، لم تكن سوى بداية فصل جديد من الانتظار، حيث يبقى السؤال الأكبر بلا جواب: هل ستكون سبتة محطة نحو الحماية والاستقرار، أم نهاية مؤقتة لرحلة قد تبدأ من جديد في اتجاه آخر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة