سبتة تحت المجهر الحقوقي.. إجراءات إسبانية جديدة ومخاوف من تصاعد المقاربة الأمنية والتمييزية

رصد المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز (CCLD)، بمبادرة من معهد بروموثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، جملة من التطورات المرتبطة بتدبير أوضاع المشاركين في عمليات التدفق الجماعي نحو سبتة المحتلة، وذلك ضمن نشرة يقظة تغطي الفترة الممتدة من 9 غشت الجاري إلى الساعة التاسعة مساء من يوم 13 من الشهر نفسه.

وسجّل المجلس، من جهة، اتخاذ السلطات الإسبانية إجراءات جديدة ترمي إلى تعزيز حماية ورعاية الأشخاص الذين ما زالوا موجودين بالمدينة، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، في وقت رصد فيه، من جهة أخرى، استمرار حضور المقاربة الأمنية والسياسية بقوة في إدارة الوضع، إلى جانب تصاعد خطابات ومواقف اعتبر أنها قد تسهم في وصم المعنيين، بل والمغاربة والأشخاص من أصول أجنبية بشكل عام.
دعم مالي وتعزيز قدرات الاستقبال
وأشاد المجلس بالإجراءات التي أعلنت عنها السلطات الإسبانية في 9 غشت، وفي مقدمتها تخصيص مبلغ استثنائي قدره 25 مليون يورو لتعزيز الرعاية العاجلة للأطفال والمراهقين غير المصحوبين بذويهم الموجودين في سبتة.
كما شملت الإجراءات المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، خصوصا لفائدة الأشخاص البالغين، في محاولة لمواجهة الضغوط المتزايدة على مرافق الاستقبال بالمدينة.
ودعا المجلس إلى ألا تظل هذه التدابير مجرد إمكانات مالية ولوجستيكية، بل أن تنعكس فعليا على ظروف استقبال تحفظ كرامة الأشخاص المعنيين، وتكون متاحة وملائمة لاحتياجاتهم، مع إيلاء عناية خاصة للأطفال والنساء والأشخاص الموجودين في أوضاع هشاشة.
ظروف معيشية مقلقة وشهادات عن مخاوف من العلاج الطبي
ورغم الإجراءات المعلنة، وصف المجلس الظروف المعيشية للموجودين في سبتة بأنها لا تزال “مقلقة”، مستندا إلى شهادات قال إنه جمعها خلال الفترة التي تغطيها نشرة اليقظة.
ومن بين المعطيات التي أوردها، رفض عدد من الأشخاص المصابين نقلهم بواسطة سيارات الإسعاف إلى مستشفى سبتة، بدافع الخوف من الاعتقال أو الإعادة من المدينة. كما أشار إلى تجمع أعداد كبيرة من الأشخاص على أحد شواطئ سبتة، فضلا عن تشكل طوابير طويلة في بعض الأحيان للحصول على المواد الغذائية.
وفي سياق متصل، أورد المجلس معلومات بشأن تعرض قاصر لاعتداء داخل صالون للحلاقة، مشددا على أن هذه المعطيات، التي تحتاج إلى التحقق، تستوجب، في حال تأكدها، فتح تحقيق وتوفير الرعاية والحماية اللازمتين للقاصر المعني.
تعزيز الحضور الأمني
وعلى المستوى الأمني، تحدث المجلس عن ارتفاع كبير في حجم الموارد الأمنية التي جرى تعبئتها في سبتة، مشيرا، على وجه الخصوص، إلى وصول وحدة من وحدات الاحتياط التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية في 13 غشت، تضم 45 شرطيا إضافيا، إلى جانب انضمام 20 عنصرا من فرقة الأجانب والحدود.
ويرى المجلس أن هذا التعزيز الأمني يأتي في ظل استمرار حضور قوي للمقاربة الأمنية في التعامل مع تداعيات الوضع، بالتوازي مع تصاعد النقاش السياسي والإعلامي بشأن الهجرة والتدفقات البشرية نحو المدينة.
تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي
وسجلت نشرة اليقظة، في السياق نفسه، ما وصفته بـ”تكثيف الخطابات السياسية والإعلامية حول الأزمة”، مع التوقف بشكل خاص عند تصريحات منسوبة إلى نائبة برلمانية عن حزب فوكس الإسباني، قالت فيها ما يشبه المهاجرين بـ”الجرذان”.
كما أشار المجلس إلى تصريحات لوزير الخارجية الإيطالي ربط فيها الهجرة غير النظامية بـ”الخطر الإرهابي”، وذلك في معرض تبريره استمرار التدابير المؤقتة المتعلقة بالوافدين من إسبانيا.
ويعتبر المجلس أن مثل هذه الخطابات تثير مخاوف بشأن تنامي الوصم المرتبط بالمهاجرين، وما يمكن أن يترتب عنه من آثار على نظرة الرأي العام والسياسات العمومية تجاه الأشخاص المعنيين، فضلا عن احتمال امتداد هذا الخطاب إلى المغاربة والأشخاص من أصول أجنبية بصورة أوسع.
تحذير من مراقبة التنقلات على أساس الأصل أو المظهر
وفي الجانب المغربي، رصدت الوثيقة تعزيز حضور السلطات المغربية في عدد من محطات القطارات والنقل الطرقي بكل من الدار البيضاء والرباط والقنيطرة وفاس ومناطق أخرى، في ظل تداول دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولة عبور جماعية جديدة نحو سبتة، يُتداول أنها قد تتم في حدود 15 غشت.
وفي هذا السياق، حذّر المجلس من أن تتحول التدابير الرامية إلى منع محاولة عبور محتملة إلى عمليات مراقبة عامة أو تمييزية تستند إلى معايير من قبيل السن أو المظهر الجسدي أو الأصل المفترض أو مكان الإقامة أو الوجهة أو الغرض المفترض من التنقل.
واعتبر أن مثل هذه الممارسات، في حال اعتمادها، قد تفضي إلى تمييز غير مباشر في الولوج إلى خدمات النقل، خصوصا أن مجرد التنقل في اتجاه شمال المغرب لا يشكل، في حد ذاته، مخالفة قانونية.
وشدد المجلس على أن السفر نحو شمال المملكة أو استخدام وسائل نقل متجهة إلى الفنيدق أو غيرها من المناطق القريبة من سبتة لا ينبغي أن يكون، بمجرده، سببا للاشتباه أو لتقييد حرية التنقل، مع التأكيد على ضرورة أن تكون أي إجراءات رقابية مبررة قانونا وفردية ومتناسبة مع الحالة المعنية.
بين متطلبات الأمن وضمانات الحقوق
وتكشف خلاصات نشرة اليقظة عن مشهد متداخل تتقاطع فيه الاستجابة الإنسانية والأمنية والسياسية على جانبي الحدود. ففي الوقت الذي تسعى فيه السلطات الإسبانية إلى تعزيز قدرات الاستقبال والرعاية، خصوصا لفائدة القاصرين والفئات الهشة، يستمر الاعتماد على تدابير أمنية مكثفة لمواجهة تدفقات جديدة محتملة.
وبحسب المجلس، يظل التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين متطلبات إدارة الحدود وحماية الأمن من جهة، واحترام الكرامة الإنسانية وحقوق الأشخاص في أوضاع الهشاشة من جهة أخرى، مع تفادي أي ممارسات أو خطابات يمكن أن تؤدي إلى التمييز أو الوصم الجماعي.



