الحرب على إيران خلف الستار لإدارة ترامب.. بين حجب المعلومات والأهداف المتغيرة وفن التمويه

تتعامل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الحرب ضد إيران بمستوى لافت من التعتيم، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية، التي رأت أن الغموض لا يقتصر على تفاصيل العمليات العسكرية، بل يمتد إلى أوضاع الجنود الأمريكيين في المنطقة، وحجم الخسائر والأضرار، وكلفة الحرب، والأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها.

وترى الصحيفة أن هذا النهج يجعل الحرب بعيدة إلى حد كبير عن الرأي العام الأمريكي وأعضاء الكونغرس، رغم اتساع نطاق العمليات وتداعياتها الاستراتيجية والاقتصادية.
ظروف صعبة على متن حاملة «أبراهام لينكولن»
سلط تقرير بثته قناة MS NOW في الخامس من أغسطس الضوء على أوضاع معيشية صعبة داخل حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي أمضت أكثر من ثمانية أشهر في مهمتها بالمنطقة.
واستند التقرير إلى شهادات نحو عشرة من أقارب أفراد الطاقم، تحدثوا عن أعطال في دورات المياه، وانتشار العفن في بعض الحمامات، وتعطل مغاسل الملابس لأسابيع، إلى جانب فترات لم تتوافر خلالها مياه ساخنة للاستحمام.
كما انتشرت في وقت سابق صور لوجبات طعام قيل إنها قدمت لنحو خمسة آلاف شخص على متن الحاملة، بينما نفى البنتاغون وجود مشكلات في الإمدادات.
غير أن القلق الأكبر، وفق وسائل إعلام متخصصة في الشؤون العسكرية، يتعلق بالحالة النفسية للبحارة، في ظل استمرار المهمة لفترة طويلة وعدم وضوح موعد نهايتها. ومن المتوقع أن تتجاوز مهمة الحاملة 250 يوماً، فيما وجه أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، بينهم السيناتور ريتشارد بلومنتال، أسئلة إلى وزارة الدفاع بشأن أوضاع السفينة وطاقمها.
حرب تجري بعيداً عن أعين الجمهور
تقول «لوموند» إن الحرب على إيران تكشف مفارقة أساسية: فالمعلومات متاحة بكميات غير مسبوقة بفضل الأقمار الصناعية ومصادر المعلومات المفتوحة، ويمكن تتبع حركة الطائرات والسفن ورصد آثار الضربات وتقدير حجم استخدام الصواريخ والذخائر.
ومع ذلك، تبقى العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط بعيدة إلى حد كبير عن التغطية الميدانية المباشرة. فبينما فرضت السلطات الإيرانية قيوداً واسعة على الإنترنت، اعتمد الجانب الأمريكي، بحسب الصحيفة، على مزيج من السرية العملياتية وحجب المعلومات والإنكار وصرف الانتباه، في وقت لا يوجد فيه صحافيون يرافقون القوات الأمريكية ميدانياً لتغطية العمليات.
وتنقل «لوموند» عن السيناتور الديمقراطي جون أوسوف انتقاده لما وصفه بأنه مستوى استثنائي من التضليل، معتبراً أن التعامل مع المواطنين والجنود بهذه الطريقة يقوض قدرة المجتمع والكونغرس على مراقبة القرارات العسكرية.
من منع النووي إلى أهداف تتغير باستمرار
وترى جنيفر كافاناغ، مديرة التحليل العسكري في مركز Defense Priorities، أن الحرب على إيران تختلف عن صراعات أمريكية سابقة، معتبرة أن واشنطن وجدت نفسها أمام ما وصفته بـ«هزيمة استراتيجية» ذات تداعيات طويلة الأمد.
وبحسب كافاناغ، فإن نتائج مباشرة للحرب، بينها تراجع القدرات العسكرية الأمريكية والاضطراب الذي أصاب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أصبحت واضحة، في حين لم تبذل الإدارة الأمريكية، قبل اندلاع الحرب، جهداً كافياً لإقناع الرأي العام والكونغرس بجدوى خوضها.
وتشير الصحيفة إلى أن لغة الإدارة نفسها شهدت تغيراً ملحوظاً. فبعد إعلان ترامب في يونيو 2025 أن البرنامج النووي الإيراني «دُمر» عقب استهداف ثلاثة مواقع، باتت الإدارة تستخدم تعبيرات أكثر التباساً، بينما تجنبت بشكل متكرر وصف العمليات بأنها «حرب».
أما الأهداف المعلنة، فتغيرت بدورها. فقد بدأ الخطاب بالتركيز على دعم المحتجين داخل إيران، قبل أن ينتقل إلى تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، ثم وصل إلى هدف أكثر طموحاً يتمثل في إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
أهداف الحرب تتقلص بدلاً من أن تتسع
يصف مارك كانسيان، الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، حالة الارتباك الناجمة عن تغير الأهداف بأنها مشكلة، وإن لم تكن سابقة في تاريخ الحروب الأمريكية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة شهدت في أفغانستان تحولاً معاكساً، إذ توسعت أهداف الحرب خلال سنواتها الأولى، من تفكيك ملاذ للإرهابيين إلى السعي لإقامة دولة مستقرة وحكومة ديمقراطية.
أما في الحالة الإيرانية، فيرى كانسيان أن المسار جاء في الاتجاه المعاكس، إذ تقلصت أهداف الحرب خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يعكس، بحسبه، صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية واضحة.
استنزاف الذخائر يكشف ثغرات الاستعداد
وتبرز الحرب كذلك، وفق «لوموند»، مشكلة تتعلق بمدى استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب حديثة طويلة ومكلفة.
فالتطور السريع في تقنيات الطائرات المسيرة، وانخفاض تكلفتها مقارنة ببعض أنظمة الأسلحة التقليدية، غيّرا الحسابات العسكرية، بينما لا يزال جزء كبير من التخطيط الدفاعي الأمريكي يعتمد على التفوق في الحجم والقوة النارية.
كما ظل حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط موضع غموض. ووفق الأرقام التي أوردتها الصحيفة، أعلن البنتاغون حتى 11 أغسطس مقتل 14 عسكرياً أمريكياً وإصابة 417 آخرين في عملية «Furious Epic»، قبل أن يعتمد لاحقاً احتساباً منفصلاً للخسائر منذ السابع من يوليو، ما يرفع الأرقام، وفق هذا التصنيف، إلى 18 قتيلاً و624 جريحاً.
مليارات الدولارات وأزمة في المخزونات
لا يقتصر الغموض على الخسائر البشرية، بل يمتد إلى الكلفة المالية للحرب والأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية.
ويقدر كانسيان أن إعادة القواعد الأمريكية المتضررة إلى وضعها السابق قد تكلف نحو 9 مليارات دولار، بناء على تقييم المنشآت المتضررة بصورة منفصلة.
وكان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد تحدث خلال جلسة أمام لجنة في مجلس الشيوخ في 21 يوليو عن تكلفة إجمالية للحرب تبلغ 37.5 مليار دولار، دون احتساب كلفة إعادة تأهيل القواعد المتضررة في المنطقة.
وبالتوازي، طلبت إدارة ترامب من الكونغرس أكثر من 60 مليار دولار إضافية لتمويل العمليات ضد إيران، إلى جانب ميزانية دفاعية مقترحة لعام 2027 تبلغ 1.5 تريليون دولار، بزيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق.
أما على مستوى الذخائر، فيقدر كانسيان أن الولايات المتحدة استهلكت نسبة كبيرة من مخزون عدد من أنظمة الدفاع والصواريخ، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على خوض أكثر من حرب أو أزمة عسكرية في وقت واحد.
ترامب يهاجم «المسربين»
في مواجهة التقارير التي تتحدث عن حجم الخسائر واستنزاف الذخائر، شنت إدارة ترامب هجوماً على مصادر المعلومات المسربة إلى وسائل الإعلام.
وكتب ترامب في السادس من أغسطس على منصته أن «المسربين» الذين يقفون وراء هذه المعلومات تتم ملاحقتهم، واعتبر تسريبها نوعاً من «الخيانة»، مهدداً بعقوبات قاسية.
وجاء موقف الرئيس الأمريكي رداً على تقرير نشرته «واشنطن بوست» تحدث عن مواجهة بين ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث بشأن وضع مخزونات الذخائر.
وترى «لوموند» أن هذا التصعيد لا يعكس فقط أزمة في التواصل الداخلي، بل قد يشير أيضاً إلى نمط أكثر اندفاعاً في إدارة الحرب، في ظل اعتماد ترامب على قناعاته الخاصة بشأن القدرات العسكرية والاستراتيجية.
عصر لم تعد فيه المعلومات حكراً على الحكومات
تؤكد الصحيفة أن التطور التكنولوجي جعل الاحتفاظ بالأرقام العسكرية السرية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
فصور الأقمار الصناعية، وقواعد البيانات المفتوحة، وتحليل حركة الطائرات والسفن، ومراقبة استخدام الصواريخ، باتت توفر للباحثين والخبراء قدرة كبيرة على بناء تقديرات مستقلة بشأن سير العمليات وحجم المخزونات.
ويقول كانسيان إن الاحتفاظ بالأرقام الدقيقة للمخزونات يظل مفهوماً من الناحية الأمنية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن حجم المصادر المفتوحة أصبح هائلاً، وأن قوى كبرى مثل الصين تمتلك قدرات استخباراتية تمكنها على الأرجح من الوصول إلى تقديرات مماثلة، وربما أكثر دقة.
«الشفافية» في مواجهة الغموض القانوني
تصف إدارة ترامب نفسها بأنها «الأكثر شفافية في التاريخ»، مستندة إلى الظهور المتكرر للرئيس أمام وسائل الإعلام.
لكن ستيفن كاش، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وأحد مؤسسي تجمع The Steady State، يرى أن كثرة الظهور الإعلامي لا تعني بالضرورة تقديم معلومات واقعية أو إخضاع السلطة للمساءلة.
ويقول كاش إن انتقاد الرئيس داخل الإدارة بات يُعامل في بعض الأحيان باعتباره شكلاً من أشكال «الخيانة»، الأمر الذي يقلص مساحة النقاش الداخلي، بينما يجري التركيز على خطاب القوة والصورة العسكرية بدلاً من عرض الأرقام والملفات التفصيلية.
ضحايا مدنيون وأسئلة حول الرقابة
ويبرز الغموض أيضاً في التعامل مع الخسائر المدنية.
وتشير «لوموند» إلى أن رفض الإدارة الأمريكية الاعتراف رسمياً بمسؤوليتها عن قصف مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في 28 فبراير، والذي أسفر، وفق الأرقام التي أوردتها الصحيفة، عن مقتل 175 شخصاً، يمثل مثالاً على صعوبة الحصول على معلومات واضحة بشأن الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
وتضيف الصحيفة أن الهياكل العسكرية المسؤولة عن تقييم الأضرار المدنية والحد منها تعرضت، خلال الفترة الماضية، لتقليصات وإضعاف.
وترى أن المسألة لا تقتصر على الحرب في إيران، مشيرة إلى ضربات أمريكية استهدفت قوارب يشتبه في ارتباطها بتهريب المخدرات في منطقة الكاريبي، وأدت إلى سقوط قتلى، وسط غياب أدلة علنية كافية بشأن هوية الضحايا ومسؤوليتهم.
إبعاد كبار المحامين العسكريين
وتربط «لوموند» بين هذا النهج والتغييرات التي شهدها البنتاغون منذ بداية ولاية ترامب.
فخلال عمليات إعادة الهيكلة التي بدأت في فبراير 2025، أُقيل عدد من كبار المحامين العسكريين المعروفين باسم «المحامين العامين»، وهم المسؤولون عن تقديم المشورة القانونية والإشراف على جوانب من نظام العدالة العسكرية.
ويرى هارولد هونغجو كوه، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة ييل ومستشار سابق لوزارة الخارجية الأمريكية، أن هذه التغييرات تنسجم مع فلسفة تقوم على عدم إظهار التردد في استخدام القوة.
ويحذر كوه من أن هذا النهج قد يضعف التمييز الضروري بين المقاتلين والمدنيين عند اتخاذ القرارات العسكرية، بما يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
الذكاء الاصطناعي يدخل دائرة الاستهداف
ولا يتوقف الجدل عند المعلومات والخسائر، إذ تفتح الحرب أيضاً نقاشاً متزايداً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
وتطرح طبيعة قواعد البيانات المستخدمة لتحديد الأهداف، والمعايير التي تدخل في قرارات الاستهداف، أسئلة جديدة بشأن الدور الذي باتت تلعبه الخوارزميات والأنظمة الذكية في ساحات القتال.
وبحسب كوه، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى عملية تحديد الأهداف يفرض واقعاً عسكرياً جديداً، تصبح فيه البيانات والخوارزميات جزءاً من عملية كانت تعتمد في السابق بصورة أكبر على التقدير البشري المباشر.
حرب خلف الستار
في النهاية، ترسم «لوموند» صورة لحرب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتصبح معركة أخرى حول المعلومات والسيطرة على الرواية والمساءلة السياسية والقانونية.
فبينما تواصل الإدارة الأمريكية الحديث عن الإنجازات العسكرية وتحقيق الأهداف، تكشف التقارير والتقديرات المتداولة عن أسئلة أكبر بشأن حجم الخسائر، واستنزاف الذخائر، والكلفة المالية، والأضرار المدنية، والأهداف السياسية المتغيرة.
وفي عصر أصبحت فيه صور الأقمار الصناعية والمعلومات المفتوحة والذكاء الاصطناعي قادرة على كشف جانب كبير من التحركات العسكرية، تبدو مهمة إخفاء تفاصيل الحرب أكثر صعوبة. لكن «فن التمويه» السياسي، كما توحي قراءة الصحيفة الفرنسية، قد لا يكون في منع المعلومات من الظهور بالكامل، بقدر ما يكمن في التحكم في توقيتها، وتأطيرها، وتحديد الرواية التي تصل إلى الجمهور.




