سبتة بين سرديات الهجرة وتشديد مراقبة الحدود


أفادت ورقة تحليلية نشرتها اللجنة الأمريكية للاجئين والمهاجرين (USCRI) بأن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتداخل فيه التضليل الرقمي، وأزمة فرص الشباب، وسياسات مراقبة الحدود الأوروبية. واعتبرت الورقة أن التغطية الإعلامية للواقعة أسهمت، في بعض الحالات، في ترسيخ سرديات تصور المهاجرين باعتبارهم تهديدا أمنيا، بدلا من تناول الظروف الاجتماعية والإنسانية التي دفعتهم إلى محاولة العبور.
وبحسب الورقة، فإن موجة العبور التي شهدتها المنطقة خلال أواخر يوليوز ارتبطت بعدة عوامل، من بينها تداول معلومات على شبكات التواصل الاجتماعي بشأن إجراءات الهجرة الإسبانية. وبرز، على وجه الخصوص، حكم للمحكمة العليا الإسبانية صدر في 29 يونيو، جرى تفسيره على منصات التواصل الاجتماعي باعتباره يضمن بقاء الوافدين عن طريق البحر ويحول دون إعادتهم، رغم أن الورقة تشير إلى أن هذا الفهم كان مضللا.
وساهمت منصات مثل «تيك توك» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«واتساب» في نشر معلومات حول طرق العبور ومواقع تقل فيها المراقبة، إلى جانب مشاركة إرشادات ومواقع مرتبطة بمعدات السباحة. وترى الورقة أن هذه التعبئة الرقمية وجدت صدى لدى فئات من الشباب المغربي، في ظل ارتفاع معدلات البطالة ومحدودية فرص التنقل القانوني نحو أوروبا، خاصة في مجالي الدراسة والعمل.
وتشير المعطيات التي أوردتها الورقة إلى أن الفترة الممتدة بين 30 و31 يوليوز شهدت عبور عشرات الآلاف نحو سبتة، بينهم مغاربة ومهاجرون من جنسيات أخرى. غير أن العملية تحولت إلى مأساة إنسانية، بعدما سجلت حالات غرق ووفيات ناجمة عن التدافع ومحاولات تجاوز الحاجز الحدودي. وتفاوتت تقديرات الضحايا بين 100 و141 حالة، مع استمرار فقدان عدد من الأشخاص، في وقت استخدمت فيه السلطات المغربية خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لمنع عمليات العبور.
وبينما أعيد معظم الوافدين إلى المغرب في إطار التعاون المغربي الإسباني، ظل نحو ألف قاصر غير مصحوبين بذويهم في سبتة، وفق المصدر ذاته. وفي هذا السياق، أشارت الورقة إلى التزامات إسبانيا بموجب إصلاح قانون الهجرة لعام 2025 بشأن إعادة توزيع القاصرين الموجودين في المناطق التي تواجه ضغطا استثنائيا، مع تخصيص الحكومة الإسبانية 25 مليون يورو لدعم هذه الفئة واحتمال نقلها إلى إسبانيا القارية.
ولا تقتصر تداعيات الواقعة، بحسب التقرير، على الجانب الأمني أو القانوني، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية عميقة. فقد تجمعت أسر في مدينة الفنيدق بحثا عن أبنائها وأقاربها المفقودين، بينما ظل مصير عدد منهم مجهولا. وترى الورقة أن أرقام الهجرة تخفي خلفها قصصا فردية لعائلات تواصل مواجهة آثار الفقد والانتظار حتى بعد انحسار الاهتمام الإعلامي بالأحداث.
وتضع الورقة هذه التطورات أيضا ضمن إطار أوسع لسياسات الاتحاد الأوروبي في مجال مراقبة الحدود، مشيرة إلى الدعم المالي الموجه للمغرب لتعزيز قدراته في إدارة الحدود. وترى أن هذا التعاون يعكس اتجاها أوروبيا متناميا نحو إسناد جزء من عمليات ضبط الهجرة إلى دول تقع خارج الحدود الجغرافية للاتحاد الأوروبي، بما يجعل المغرب أحد أبرز شركاء أوروبا في هذا المجال.
وفي المقابل، تنتقد الورقة بعض التغطيات الإعلامية والسياسية التي وظفت صور عمليات العبور لتكريس خطاب «الغزو» و«الإجرام»، وربطت الأحداث باحتمال انتقال المهاجرين إلى دول أوروبية أخرى. وتستحضر في هذا السياق انتقادات رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لما وصفه بردود فعل أوروبية «أنانية واستقطابية وغير قانونية»، في أعقاب تشديد بعض الدول الأوروبية إجراءات المراقبة على حدودها مع إسبانيا.
وتخلص الورقة إلى أن أحداث سبتة ينبغي ألا تختزل في مشاهد العبور الجماعي أو أرقام الوفيات، بل يجب قراءتها ضمن سياق يجمع بين هشاشة الأوضاع الاجتماعية، وانتشار المعلومات المضللة، ومحدودية قنوات الهجرة النظامية، وتشدد سياسات الحدود الأوروبية. فخلف كل رقم في إحصاءات الهجرة قصة إنسانية، وخلف كل مشهد حدودي عائلات تبحث عن إجابات ومصائر لم تُحسم بعد.



