إسبانيا والمغرب.. الاختبار الصعب


بقلم عبد الهادي مزراري
انتهت أزمة سابقة بين الرباط ومدريد في عام 2022 إلى الحل، وذلك على خلفية استقبال إسبانيا في أبريل 2021 زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي خلسة وبهوية جزائرية مزيفة باسم “محمد بن بطوش”، بدعوى العلاج من فيروس كورونا في مستشفى لوغرونيو.
شكّل الحدث فرصة للمغرب من أجل وضع قواعد جديدة للتعامل مع الجارة الشمالية، فقرر تجميد العلاقات ووضع أطباق التعاون المشترك داخل الثلاجة، واشترط مقابل إعادة الأمور إلى عهدها اعتراف إسبانيا بسيادته على الأقاليم الصحراوية.
بعد اثني عشر شهرا من الشد والجذب، أرسلت مدريد قرارها إلى الرباط في مارس 2022، تقر فيه بدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معربة عن رغبتها في استئناف العلاقات وبحث كل الملفات العالقة، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والأمني ومكافحة الهجرة غير الشرعية.
اعتقد قسم من الرأي العام في البلدين أن الأمور تم تسويتها، وأن الرباط ومدريد مقبلتان على سنوات من الاستقرار وازدهار العلاقات. لكن المستقبل ظل يخفي الكثير من الأوراق الناسفة بيد أطراف أخرى، ليس في مصلحتها تطور العلاقات المغربية الإسبانية.
المعارضة الإسبانية.. دودة في قلب التفاحة
لم يكن الطريق سهلا أمام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وحكومته لاتخاذ القرار في مارس 2022 للاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. كانت الحكومة الإسبانية في وضع أشبه ما يكون بقطعة حديد ساخنة بين المطرقة والسندان.
من جهته، وضع المغرب شرط اللاعودة (الاعتراف بسيادته على الصحراء)، وترك لإسبانيا حرية الاختيار بين علاقات مستقرة وتعاون جاد، وبين قطيعة تنهي كل شيء، تغلق الحدود، وتوقف الاتفاقيات، وتلغي الالتزامات، وتفتح الباب لقطيعة لا نهاية لها.
من جهة أخرى، واجهت الحكومة الإسبانية ضغطا قويا من قبل المعارضة، خاصة اللوبيات المعادية للمغرب والرافضة لتقديم أي تنازلات أمام الرباط، داعية إلى زيادة الضغط على الجار الجنوبي، وقطع الطريق عليه قبل الوصول إلى نقطة المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية والجزر الموجودة في مياهه الإقليمية.
من جهتها، وضعت الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء في الميزان، واستنتجت، على ضوء اعترافات دول كبرى بمغربية الصحراء، أن التمسك بموقفها التقليدي من شأنه أن يقلب عليها الطاولة، ويؤدي إلى إغلاق واجهتها المتوسطية المطلة على القارة الإفريقية، ويفاقم وضعية المستعمرتين سبتة ومليلية، ويحول سواحل إسبانيا الجنوبية إلى مراس لآلاف قوارب الهجرة.
اختارت الحكومة في مدريد التعاون مع الرباط، تفاديا للعواقب السيئة وسعيا إلى تحقيق المصالح الإسبانية. لكن قسما من السياسيين المتطرفين الإسبان، وبلا أي بصيرة، ظلوا مثل دودة في قلب التفاحة، يلاحقون رئيس الوزراء ويضغطون عليه، متهمين إياه بالتنازل للمغرب دون مقابل، بينما عرض علاقات إسبانيا ومصالحها للتوتر مع الجزائر.
الجزائر تنصب كمينا لمدريد بمساعدة إسبانيين
لم ينس النظام الجزائري يوم استدعي وزير الخارجية أحمد عطاف، ومعه مسؤول في جبهة البوليساريو، إلى اجتماع طارئ في السفارة الأمريكية بالعاصمة الإسبانية مدريد في 8 فبراير 2026، لمقابلة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بحضور المبعوث الأمريكي مسعد بولس.
كان يوما عصيبا على الجزائر في إسبانيا لمناقشة تنفيذ قرار مجلس الأمن 2797. إن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم تعد مبادرة المغرب، بل أصبحت مخططا أمميا معززا بقرار دولي، يمنع على كل الأطراف العودة إلى ما قبل 31 أكتوبر 2025.
من جهته، لم يستسلم النظام الجزائري للأمر الواقع، وظل يراوغ لتعطيل تنفيذ القرار، بدعوى أن الرأي العام الجزائري لن يقبل بتخلي النظام عن جبهة البوليساريو بعد صرف مئات مليارات الدولارات عليها طيلة نصف قرن، وقال عطاف يومها لمسعد بولس: “نحتاج إلى بعض الوقت”.
لكن الوقت الذي كان النظام الجزائري بحاجة إليه هو من أجل جر إسبانيا من جديد إلى حلبة مصارعة الثيران، مقابل ما تحتاجه إسبانيا من مال وغاز ونفط. وبدعم قسم من المعارضة الإسبانية ذات الصلة الوطيدة بالجزائر، بدأت خيوط اللعبة تنسج من جديد.
ما دامت الحكومة في مدريد ملتزمة باتفاقياتها مع المغرب، فالأمر أصبح يستدعي تقييد الحكومة بقرارات صادرة تارة عن البرلمان، وتارة عن القضاء. وهذا هو الطريق الذي سلكته المعارضة الإسبانية بالتنسيق مع الجزائر تحت غطاء المصلحة العليا لإسبانيا.
على مستوى البرلمان، انطلق مشروع قانون يمنح الجنسية للصحراويين المتحدرين من الساقية الحمراء ووادي الذهب ولأبنائهم، بحجة الوفاء بالمسؤولية التاريخية لإسبانيا عن الأقاليم الصحراوية.
يحمل هذا المشروع بذور الأمل للنظام الجزائري في نقل مركز النزاع حول الصحراء من الجزائر إلى إسبانيا، وإعطائه في وقت لاحق طابع الترافع المدني ببعد أوروبي. كما يشكل مشروع القانون الإسباني طوق النجاة للنظام الجزائري لنقل الصحراويين من مخيمات تندوف إلى إسبانيا، والتخلص من جبهة البوليساريو التي باتت الاتهامات تلاحقها بصفة الإرهاب في دوائر سياسية وتشريعية أمريكية ودولية.
على مستوى القضاء، انخرط قسم من المعارضة الإسبانية المقربة من النظام الجزائري في نسج كمين للمغرب في موضوع “الهجرة”، باعتباره أحد الثغرات التي يمكن النفاد عبرها لضرب استقرار المغرب وإنزال أكبر العقوبات الأوروبية عليه.
أصدرت المحكمة العليا الإسبانية في يوليوز 2026 قرارا يقضي بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية.
صدر القرار على المقاس، ويستهدف فئة معينة مرشحة للهجرة، وفي منطقة محددة، وبناء على النظر في حالة مهاجر سري من جنسية جزائرية عبر سباحة من داخل المغرب إلى سبتة، وتم إرجاعه، بينما تولت قضيته إحدى الجمعيات الإسبانية التي ترافعت بالنيابة عنه.
لا يوجد سيناريو أكثر وضوحا منه لمعرفة من كان وراء الموجة البشرية التي هبّت إلى سبتة ومليلية، نهاية شهر يوليوز الماضي، بينما المغرب نبه إسبانيا في وقت سابق إلى خطورة قرار المحكمة العليا وتأثيره السلبي على تطبيق الاتفاقيات الموقعة بين البلدين في موضوع الهجرة.
توالت المواقف السلبية ضد إسبانيا، من دول في الاتخاد الاوروبي، ومن الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، متهمة إياها باللعب بالنار في موضوع الهحرة السرية والقوانين المرتبطة بها، كما أثيرت لأول مرة شرعية وجود إسبانيا في سبتة ومليلية، وتعالت أصوات حتى من داخل إسبانيا، تطالبها بالانسحاب من الثغريين المغربيين.
المغرب وإسبانيا والناتو
رغم ثقة الحكومة الإسبانية في مواقف المغرب والتزامه بالاتفاقيات المبرمة معه، إلا أن قسما من المعارضة الإسبانية لا يتوقف عن إشاعة الأخبار الزائفة والترويج لخطر مغربي مفترض.
هذا الانطباع دفع الحكومة الإسبانية للتفكير في خيارات جعلتها متناقضة مع نفسها، ففي الوقت الذي تطلب من المغرب التعاون في مكافحة الهجرة السرية، تصدر قرارات تشجع على الهجرة غير الشرعية إليها. وفي الوقت الذي تعلن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، تتأهب لإصدار قانون جنسية يضرب في صميم الوحدة الوطنية للمغاربة.
سواء كانت إسبانيا واعية بما تفعل أو لم تكن كذلك، فهي نزلت إلى حلبة مصارعة الثيران، كاشفة عن آخر أوراقها في مواجهة افتراضية مع المغرب. كان أبرزها ورقة إعادة التطبيع مع النظام الجزائري، الذي يغريها بمشروع خط غاز جديد عبر البحر ينطلق من الجزائر نحو سبتة المحتلة، ومشروع خط بحري يربط بين وهران ومليلية المحتلة، وفتح سوق استثمارية لمئات المشاريع الإسبانية في الجزائر.
من أجل ذلك، طار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الجزائر وأكل الحلوى من يد الرئيس عبد المجيد تبون، بمناسبة فوز إسبانيا بكأس العالم، واعدا إياه بزيارة عمل تضم كبار المسؤولين الإسبان في أكتوبر المقبل.
من جهته، لا يبدي المغرب أي اهتمام بالتحرك الإسباني الجزائري المشترك، لأنه من جهة يدخل في نطاق سيادة الطرف الآخر، ومن جهة ثانية لأن العلاقات مع إسبانيا تحكمها الاتفاقات المبرمة، ومن جهة ثالثة لأن بعض الملفات، من أجل إثارتها، لها وقتها المناسب.
التقط المغرب إشارة قوية من سعي إسبانيا إلى إدخال منطقتي سبتة ومليلية في خارطة حلف الناتو. والتقط إشارة أقوى من الاعتراض الأمريكي على المشروع الإسباني.
تشترط مدريد لرفع حصتها من الإنفاق داخل الناتو توسيع نطاق تدخله العسكري ليشمل سبتة ومليلية، وذلك من أجل محاصرة المغرب أمنيا بأقوى حلف عسكري في العالم. لكن القيادة الكبرى في الحلف (الولايات المتحدة) لها رأي آخر باتت تحكمه حسابات استراتيجية أخرى أكثر تعقيدا.
في الرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ملك المغرب محمد السادس بمناسبة الذكرى 27 لتربعه على العرش، وبالتزامن مع مرور 250 عاما للصداقة الأمريكية المغربية، قال ترامب “ستعمل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المغربية لـ250 عاما المقبلة من أجل شراكات أقوى”، مضيفا أن نطاق التعاون في الوقت الحالي يتركز على مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع.
ثمة ظروف جيوسياسية تتغير بوتيرة سريعة، وإعادة التموقع تتطلب قراءة متفحصة للأحداث، وفهما أعمق للعبة التوازنات. إن بعض المواقف والقرارات والتحالفات تصبح وبالا على أصحابها ما لم تكن مبنية على الشعور بالسلام الداخلي والوضوح في الرؤية.




