بين هيبة الدولة وحق المواطن في النقد


يرى متابعون للشأن السياسي أن العلاقة بين الدولة والمواطن لا ينبغي أن تُختزل في معادلة الصراع أو الخصومة، فالمواطن، في نظرهم، ظل على الدوام شريكًا في بناء الدولة، لا خصمًا لها.
ويؤكدون أن الإشكال الحقيقي يكمن في إخفاق بعض المسؤولين في إدارة الشأن العام، وما يرافق ذلك من محاولات لربط أي انتقاد للأداء الحكومي بالمساس بمؤسسات الدولة أو التشكيك في استقرارها.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا الخلط بين الدولة والحكومة يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحياة السياسية، إذ يؤدي إلى تصوير النقد المشروع باعتباره فعلًا منافيًا للوطنية، بينما يُقدَّم الصمت على أنه دليل ولاء. ويرون أن هذا النهج يضعف فرص الإصلاح، ويحول دون ترسيخ ثقافة المساءلة والمحاسبة التي تُعد من ركائز الدولة الحديثة.
ويؤكد المتابعون أن الحفاظ على استقرار الوطن وتعزيز مؤسساته يمثلان هدفًا مشتركًا، غير أن ذلك لا يعني منح المسؤولين حصانة من النقد أو مساءلتهم عن نتائج سياساتهم. فالدولة، بحسب هذا التصور، ليست ملكًا للحكومات أو للأشخاص، وإنما هي إطار جامع لجميع المواطنين، ولا يجوز توظيفها لتبرير الإخفاقات أو تعطيل الإصلاح.
وفي السياق ذاته، يلفت المتابعون إلى أن تراجع الثقة في المؤسسات لا يرتبط بوجود أصوات ناقدة، بل قد يكون نتيجة مباشرة لانتشار ثقافة التملق وإقصاء الرأي المخالف، بما يؤدي إلى حجب الحقائق عن دوائر صنع القرار. ويرون أن تضييق مساحة النقاش الموضوعي يفضي إلى اتخاذ قرارات تستند إلى صورة غير دقيقة عن الواقع، الأمر الذي ينعكس سلبًا على جودة السياسات العامة.
كما يشددون على أن من أبرز المخاطر التي تواجه أي إدارة عامة اعتقاد بعض المسؤولين بأن المناصب امتيازات دائمة وليست مسؤوليات مؤقتة، أو أن النقد يمثل استهدافًا شخصيًا بدل اعتباره أداة لتقويم الأداء وتحسينه. ويؤكدون أن غياب المحاسبة وتراجع الشفافية يسهمان في تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات، ويؤثران في مستوى الثقة المتبادلة.
وفي هذا الإطار، يرى المتابعون أن المواطنين باتوا يتطلعون إلى نتائج ملموسة أكثر من انتظار الخطابات والوعود. فنجاح السياسات العامة، من وجهة نظرهم، يقاس بقدرتها على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير خدمات التعليم والصحة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وليس بحجم الخطاب الإعلامي أو كثافة البيانات الرسمية.
ويؤكد هؤلاء أن الثقة في مؤسسات الدولة تُبنى من خلال الإنجاز والشفافية والالتزام بالمصلحة العامة، ولا يمكن أن تتحقق عبر الخطاب الدعائي أو الأصوات التي تسعى إلى تجميل الواقع بعيدًا عن معطياته الحقيقية. فالمجتمعات التي تفسح المجال للنقد المسؤول والحوار البناء تكون أكثر قدرة على تصحيح أخطائها وتعزيز استقرارها.
ويخلص المتابعون إلى أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات الناقدة، وإنما بقدرتها على استيعاب الآراء المختلفة وتحويلها إلى فرص للإصلاح والتطوير. كما أن إشراك المواطنين في النقاش العام، واحترام حقهم في التعبير، وترسيخ مبادئ المحاسبة وسيادة القانون، تمثل جميعها عناصر أساسية في بناء دولة قوية تحظى بثقة مواطنيها.
وفي المحصلة، فإن حماية الدولة تبدأ بتعزيز حقوق المواطنين، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، وضمان خضوع الجميع للمساءلة وفق القانون. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على تبرير الإخفاقات، بل على الاعتراف بها والعمل على معالجتها، بما يعزز استقرار الدولة ويحافظ على ثقة المجتمع في مؤسساته.




