قضايا و آراء

جامعة الدول العربية بين الطموح التاريخي وإخفاقات الواقع: قراءة نقدية في مسار العمل العربي المشترك

كتب الباحث والكاتب الكويتي نايف شرار

تأسست جامعة الدول العربية عام 1945 كأول إطار مؤسسي للعمل العربي المشترك، حاملةً آمال الشعوب العربية في تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي، وتعزيز الحضور الإقليمي والدولي للأمة. غير أن المسار التاريخي للجامعة يكشف عن فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والواقع العملي، حيث ظلت عاجزة عن التعامل الفعّال مع الأزمات الكبرى التي عصفت بالمنطقة.

على امتداد عقود، عكست ممارسات الجامعة حالة من التباين الحاد بين الدول الأعضاء، الأمر الذي أضعف قدرتها على اتخاذ قرارات موحدة وفعالة. وقد أسهم هذا التباين في تعطيل الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية الضخمة والموارد الاستراتيجية التي تزخر بها الدول العربية، مما حال دون تحقيق نهضة تكنولوجية أو بناء ثقل سياسي وعسكري قادر على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي تُعد القضية المركزية للعالم العربي، يظهر تراجع ملحوظ في فاعلية الدور العربي المشترك. فبعد أن عكست قمة الخرطوم عام 1967 توجهاً وحدوياً، شكّل مؤتمر الرباط عام 1974 تحولاً مفصلياً، حيث تم إقرار تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية كجهة وحيدة، وهو ما أسهم في تحويل مسار القضية نحو الإطار الفلسطيني الخاص، ومهّد لاحقاً لاتفاقيات ثنائية مثل كامب ديفيد، الأمر الذي أضعف فكرة العمل العربي الجماعي.

ولم يقتصر هذا التراجع على جامعة الدول العربية، بل امتد ليشمل العديد من التكتلات الإقليمية العربية التي أخفقت في تحقيق أهدافها، مما عمّق حالة التشرذم داخل النظام العربي. وقد تجلّى هذا العجز بوضوح في الأزمات المعاصرة، مثل النزاع في السودان، حيث اقتصرت ردود الفعل على بيانات إدانة تقليدية، وكذلك في الأحداث الجارية في قطاع غزة، التي كشفت عن محدودية التأثير العربي في ظل تصاعد الانتهاكات.

كما برزت إشكالات إضافية في سياق التوترات الإقليمية الأخيرة، حيث انعكست حالة التردد والتباين في مواقف بعض الدول العربية تجاه التطورات العسكرية في المنطقة، لا سيما في ما يتعلق بالتصعيد بين القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، بدت الجامعة العربية غير قادرة على تفعيل آليات جماعية فعالة للدفاع عن المصالح المشتركة أو حماية الأمن الإقليمي، مكتفيةً بمواقف دبلوماسية تقليدية.

ويُضاف إلى ذلك أن بعض المحطات التاريخية كشفت عن محدودية الدور العملي للجامعة في لحظات حاسمة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى جاهزيتها للاستجابة الفورية للأزمات، ومدى استقلالية قراراتها في ظل التوازنات الدولية والإقليمية.

في ضوء ما سبق، يتضح أن جامعة الدول العربية ما تزال تواجه تحديات بنيوية عميقة تعيق أداءها، وتحدّ من قدرتها على تحقيق تطلعات الشعوب العربية. وبين حلم التكامل والوحدة، وواقع الانقسام والتباين، تتسع فجوة الثقة بين المواطن العربي والمؤسسات الإقليمية. الأمر الذي يطرح ضرورة إعادة تقييم منظومة العمل العربي المشترك، والبحث عن صيغ جديدة أكثر فاعلية واستجابة لمتطلبات المرحلة، بما يعيد الاعتبار للدور العربي في مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة