قضايا و آراء

تصعيد عسكري يعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحوّلاً جيوسياسياً لافتاً عقب تنفيذ عملية عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفت بنى عسكرية داخل إيران، في خطوة اعتبرها مراقبون انتقالاً من مرحلة “حروب الظل” إلى المواجهة العلنية المباشرة.

العملية، التي نُفذت بتنسيق بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة العسكرية الإسرائيلية، حملت اسم “الغضب الملحمي” في الرواية الأمريكية و“زئير الأسد” في الرواية الإسرائيلية. وتشير دلالات التسمية، وفق تحليلات استراتيجية، إلى تحوّل في العقيدة العسكرية من سياسة الاحتواء والضربات المحدودة إلى نمط استهداف أوسع يهدف إلى تقليص القدرات الصلبة لطهران وإعادة ضبط توازنات الردع الإقليمي.

ويرى باحثون في الشؤون الأمنية أن أبعاد العملية تتجاوز بعدها العسكري، إذ ترتبط بمحاولة فرض معادلة إقليمية جديدة قائمة على تحجيم نفوذ إيران الإقليمي وإعادة هندسة شبكة التحالفات، بما ينسجم مع رؤية أمنية تقودها واشنطن وتل أبيب.

في المقابل، جاء الرد الإيراني عبر عملية “الوعد الصادق 4”، التي وسّعت نطاق الاستهداف ليشمل مواقع ومصالح مرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة، ما يعكس انهيار قواعد الاشتباك السابقة وارتفاع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، مع امتداد محتمل إلى مناطق حساسة لأمن الطاقة العالمي.

مواقف عربية متباينة

وضعت التطورات العسكرية المتسارعة العواصم العربية أمام اختبار سياسي وأمني معقّد. ففي سلطنة عُمان، عبّرت وزارة الخارجية عن رفضها للتصعيد، محذّرة من انعكاساته على أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية.

أما العراق، فقد تبنّى خطاباً أكثر حدّة، مؤكداً رفضه تحويل أراضيه أو مجاله الجوي إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.

في المقابل، اعتمدت كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين خطاباً متوازناً، ركّز على حماية المنشآت الحيوية، لا سيما في قطاع الطاقة، مع تجنّب الانخراط في مواقف تصعيدية مباشرة تجاه واشنطن، بما يعكس سعي هذه الدول للحفاظ على توازن دقيق بين شراكاتها الأمنية ومقتضيات الاستقرار الإقليمي.

من جهتها، دعت مصر إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، في ظل مخاوف من تأثير التصعيد على أمن الملاحة في قناة السويس وعلى الاستقرار الاقتصادي الأوسع.

إعادة تشكيل النظام الإقليمي

تشير المؤشرات الراهنة إلى أن المنطقة تقف على مفترق طرق استراتيجي، مع إعادة تعريف لقواعد الردع والتحالفات. فالمواجهة باتت أكثر وضوحاً وعلنية، فيما تتزايد احتمالات اتساع رقعتها جغرافياً وسياسياً. وبين سعي القوى الكبرى إلى تثبيت معادلات نفوذ جديدة، تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة دقيقة قوامها حماية السيادة الوطنية وتجنّب كلفة الانخراط في صراع مفتوح قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة