رؤية البوليساريو للحكم الذاتي

شهدت العاصمة الإسبانية مدريد خلال أيام 7 و8 و9 فبراير الجاري لقاءً تفاوضيًا تناول مقترحات تتعلق بصيغة محتملة للحكم الذاتي. وقدمت جبهة البوليساريو خلال هذا اللقاء جملة من التصورات التي تعكس رؤيتها لترتيبات المرحلة المقبلة، في حال التوصل إلى اتفاق سياسي مع المغرب. وتكشف هذه المقترحات عن نقاط تقاطع وأخرى خلافية بين الطرفين، إضافة إلى أبعاد سياسية وسيادية ذات حساسية خاصة.

قراءة لبعض التسريبات لما طُرح خلال اللقاء كمقترح إنشاء حزب صحراوي موحد، الذي أعتبر
أبرز من النقاط التي قدمتها البوليساريو، الحزب يضم قيادات الجبهة إلى جانب شخصيات صحراوية تعمل حاليًا ضمن المؤسسات المغربية في الأقاليم الجنوبية.
وبحسب الطرح المقدم، سيكون هذا الحزب هو القوة السياسية الرئيسية في الإقليم، بما يجعله الفاعل المهيمن في المشهد السياسي وصاحب الدور المركزي في إدارة شؤون الحكم الذاتي. كما لا يمنع المقترح تأسيس أحزاب أخرى.
وتشير المعطيات إلى أن هذه النقطة لم تلقَ اعتراضًا من الجانب المغربي خلال اللقاء، ما يجعلها من بين النقاط غير الخلافية في المرحلة الحالية من النقاش.
أما المشاركة السياسية خلال المرحلة الانتقالية، فقد
طالبت البوليساريو بعدم إشراك أشخاص من خارج الإقليم في الحياة السياسية المحلية خلال السنوات العشر الأولى على الأقل، أو أن تكون مشاركتهم محدودة وثانوية. ويهدف هذا المقترح، وفقًا لقراءته السياسية، إلى ضمان طابع محلي خالص لإدارة المرحلة الأولى من الحكم الذاتي، بما يعزز الشعور بالتمثيلية الذاتية لدى سكان الإقليم.
ووفق المعطيات المتداولة، لم يبدِ المغرب اعتراضًا صريحًا على هذه النقطة، ما يجعلها كذلك خارج دائرة الخلاف المباشر بين الطرفين.
أما عن آلية اختيار رئيس الإقليم
تُعد مسألة رئاسة الإقليم من أبرز نقاط التباين. فقد اقترحت البوليساريو انتخاب رئيس الإقليم عبر انتخابات يتم الاتفاق لاحقًا على شكلها وآلياتها. في المقابل، يتمسك المغرب بموقف يقضي بتعيين رئيس الإقليم من طرف الملك، في انسجام مع التصور المغربي للحكم الذاتي ضمن السيادة الوطنية.
ويمثل هذا الخلاف جوهر التباين في فهم طبيعة الصلاحيات السياسية ومستوى الاستقلالية المؤسساتية للإقليم.
وبخصوص تقاسم العائدات المالية
اقترحت البوليساريو تقاسم عائدات الثروات الطبيعية والضرائب والجبايات بين الإقليم والإدارة المركزية في الرباط على أساس المناصفة. ويعكس هذا المقترح تصورًا لتوزيع مالي متوازن يكرس نوعًا من الشراكة الاقتصادية بين الطرفين.
في المقابل، يرى المغرب أن تُجمع عائدات الإقليم ضمن المركز، على أن تخصص للإقليم ميزانية خاصة ضمن الإطار الوطني العام، وهو ما يعكس رؤية مركزية لإدارة الموارد.
وتُعد هذه المسألة من النقاط الخلافية الحساسة، نظرًا لارتباطها المباشر بالسيادة الاقتصادية والتحكم في الموارد.
اما فيما يتعلق بقضة الاستفتاء على الاستقلال طالبت البوليساريو بإجراء استفتاء لسكان الإقليم بعد فترة زمنية يتم الاتفاق عليها، يتيح خيار الاستقلال. غير أن المغرب يرفض هذا الطرح بشكل قاطع، كما أن الولايات المتحدة لا تأخذه بعين الاعتبار ضمن التصورات المطروحة للحل، وفق المعطيات المتداولة.
وتبقى هذه النقطة من أكثر الملفات تعقيدًا، نظرًا لارتباطها بالحل النهائي للنزاع وبمحددات الشرعية الدولية والسيادة الوطنية.
كما طالبت البوليساريو بتوفير ضمانات دولية قوية تكفل تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه بحذافيره. وتشير المعطيات إلى أن هذا الطرح حظي بترحيب من مختلف الأطراف، لا سيما الجانب الأمريكي، ما يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية آليات الرقابة والمتابعة في إنجاح أي تسوية سياسية.
إلى جانب القضايا السياسية الكبرى، شهدت المباحثات اتفاقًا مبدئيًا حول عدد من القضايا الإنسانية والتقنية، من بينها الإفراج عن المعتقلين، وعودة اللاجئين، وترتيبات سيادية وإدارية وفنية أخرى، ما يعكس وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في حال توفر الإرادة السياسية.
كما تكشف المقترحات التي قدمتها البوليساريو في لقاء مدريد عن محاولة صياغة تصور للحكم الذاتي يتجاوز الطرح التقليدي نحو نموذج يجمع بين إدارة محلية موسعة وضمانات سياسية واقتصادية واضحة. وفي المقابل، يتمسك المغرب بثوابت تتعلق بوحدة الدولة ومركزية بعض الصلاحيات السيادية.
وبين نقاط الاتفاق والخلاف، يتضح أن مسار التفاوض لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتوقف مآلاتها على قدرة الأطراف على إيجاد صيغة توازن بين متطلبات السيادة ومطالب التمثيل الذاتي، في إطار إقليمي ودولي شديد الحساسية.




