هزيمة ترامب.. بين الانفتاح على الديمقراطيين واستعراض ما تبقى من صلاحياته الرئاسية


وكالات
واشنطن أمام عامين من التجاذبات السياسية.. الحرب مع إيران وملفات الهجرة والصراع مع الكونغرس تحدد ملامح المرحلة المقبلة
دفعت الهزيمة الانتخابية التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات منتصف الولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اعتماد خطاب تصالحي مفاجئ تجاه الديمقراطيين، في تحول سياسي يثير تساؤلات بشأن قدرته على الحفاظ على نفوذه خلال العامين الأخيرين من ولايته، ومدى استعداده للتكيف مع موازين القوى الجديدة داخل المؤسسات الأمريكية.
ورغم إشارات الانفتاح التي أطلقها ترامب عقب النتائج، فإن تراجع نفوذه السياسي لا يعني بالضرورة انحسار قدرته على التأثير في مسار الأحداث، إذ لا تزال أمامه صلاحيات دستورية واسعة تتيح له مواصلة نهجه التصعيدي، سواء عبر استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، أو استخدام حق النقض الرئاسي لتعطيل التشريعات التي يدفع بها الديمقراطيون، فضلا عن توظيف الأوامر التنفيذية لتمرير أجندته السياسية.
وفي هذا السياق، قال بيتر لوغ، مدير كلية الإعلام والشؤون العامة بجامعة جورج واشنطن، لوكالة فرانس برس، إن ترامب يميل إلى تصعيد ردوده كلما وجد نفسه تحت الضغط، مضيفا: «كلما حُشر ترامب في الزاوية رفع صوته أكثر وردّ بالهجوم».
انفتاح اضطراري على الديمقراطيين
وهنّأ ترامب الديمقراطيين، الثلاثاء، على فوزهم الانتخابي، معربا عن استعداده للعمل معهم، في خطوة تعكس إدراكا متزايدا للتحولات التي فرضتها نتائج الانتخابات على المشهد السياسي الأمريكي.
غير أن هذا الانفتاح قد لا يكون خيارا سياسيا طوعيا بقدر ما يمثل استجابة لواقع جديد، خصوصا في ظل احتمال تزايد الضغوط داخل الحزب الجمهوري نفسه، عقب الهزيمة التي يربط عدد من الجمهوريين أسبابها بتداعيات الحرب على إيران.
وفي المقابل، لم يتخل الرئيس الأمريكي عن لغة التحدي، إذ كرر تأكيده امتلاك صلاحية نقض أي مشروع قانون يقره الديمقراطيون ويصل إلى مكتبه في البيت الأبيض، في إشارة إلى استعداده لاستخدام أدوات السلطة التنفيذية في مواجهة الأغلبية الديمقراطية.
وتعزز هذه المؤشرات التقارير التي تحدثت عن إعداد إدارة ترامب خطة لتمرير سياساتها المتشددة في مجال الهجرة عبر أوامر تنفيذية، على غرار المقاربة التي اعتمدها خلال الأيام المائة الأولى من ولايته الثانية.
كما يبدو أن الرئيس الأمريكي يستعد لمواجهة مرحلة جديدة من الصراع المؤسساتي، بعدما أكد استعداده للتصدي للتحقيقات التي قد يقودها الديمقراطيون، مستندا إلى تجربته السابقة مع إجراءات العزل التي واجهها مرتين، فضلا عن كونه أول رئيس أمريكي يُنتخب بعد إدانته جنائيا.
الحرب على إيران.. صلاحيات واسعة رغم تراجع النفوذ
تظل السياسة الخارجية أحد المجالات التي يحتفظ فيها الرئيس الأمريكي بهامش واسع من الصلاحيات، حتى في الفترات التي يتراجع خلالها نفوذه السياسي داخليا، وهو ما يمنح ترامب إمكانية مواصلة التأثير في الملفات الدولية الكبرى رغم نتائج انتخابات منتصف الولاية.
وفي هذا الإطار، لا يستبعد أن يعود إلى توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، رغم تأكيده، الثلاثاء، استمرار مساعيه للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب التي أطلقها في فبراير الماضي.
وقال ترامب لقناة فوكس نيوز إن التوصل إلى اتفاق يظل خيارا مطروحا، محذرا في الوقت ذاته من أنه سيواصل العمليات العسكرية إذا تعذر ذلك.
من جانبه، اعتبر رايان هاس، الباحث في معهد بروكينغز، أن ترامب لا يرغب في أن يرتبط اسمه تاريخيا بصورة الرئيس الذي أشعل الحروب، بل يسعى إلى ترسيخ إرث سياسي يقوم على تعزيز القوة الأمريكية، قائلا: «لا أظن أنه يريد أن يذكره التاريخ بوصفه داعية حرب، يريد أن يُذكر أنه ترك أمريكا أقوى».
وتأتي هذه التطورات في وقت استبعد فيه ترامب التقارير المتداولة بشأن احتمال إقالة وزير الدفاع بيت هيغسيث، في إطار تعديل وزاري محتمل على خلفية استمرار الحرب.
موسكو وبكين.. تراجع محتمل في القدرة على التأثير
وعلى مستوى العلاقات الدولية، من المرجح أن يواصل ترامب الدفع نحو تسوية للحرب الروسية الأوكرانية، مع ممارسة ضغوط على كييف لقبول اتفاق مع موسكو، في إطار مساعيه لتقديم نفسه باعتباره رئيسا قادرا على إنهاء النزاعات الدولية.
ومن المنتظر عقد جولة جديدة من المحادثات الثلاثية الأسبوع المقبل، غير أن الهزيمة الانتخابية قد تضعف موقع ترامب التفاوضي، خصوصا في علاقاته مع الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، اللذين ينظر إليهما باعتبارهما زعيمين لقوتين عظميين قادرتين على منافسة الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه النكسة الانتخابية أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي قبل أقل من أسبوعين من لقاء محتمل يجمع القادة الثلاثة خلال قمة مرتقبة في الصين، ما يطرح تساؤلات بشأن انعكاس التحولات السياسية الداخلية الأمريكية على حسابات واشنطن الخارجية.
إرث معماري في واشنطن.. ملاذ من المواجهات السياسية؟
وفي مقابل الملفات السياسية والعسكرية المعقدة، قد يجد ترامب في المشاريع العمرانية والاحتفالية التي يخطط لها في العاصمة الأمريكية مجالا لتعزيز حضوره التاريخي، بعيدا عن المواجهات المباشرة مع خصومه السياسيين.
فخلال خطابه الأخير في حملة انتخابات منتصف الولاية، لم يمنح الرئيس الأمريكي القضايا السياسية الحيز الأكبر، بقدر ما ركز على مشاريع تجديد البركة العاكسة عند نصب لينكولن التذكاري وخطط أخرى لتجميل العاصمة واشنطن.
ويكتسب هذا الموقع أهمية تاريخية ورمزية خاصة، باعتباره أحد أبرز معالم العاصمة الأمريكية، فضلا عن ارتباطه بخطاب مارتن لوثر كينغ الشهير «لدي حلم»، الذي ألقاه عام 1963 من على درجات النصب المجاور.
غير أن المشروع الذي يحظى بأهمية استثنائية لدى ترامب يتمثل في قاعة الاحتفالات الضخمة التي يجري تشييدها داخل البيت الأبيض، بكلفة تقدر بنحو 400 مليون دولار، على أن يكتمل بناؤها أواخر عام 2028، قبل وقت قصير من مغادرته المنصب نهائيا.
وبين رهانات التسوية السياسية ومخاطر التصعيد العسكري، تبدو المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة ترامب على التكيف مع موازين القوى الجديدة. فالهزيمة الانتخابية قد تحد من نفوذه التشريعي، لكنها لا تنهي بالضرورة قدرته على المبادرة، ما يجعل العامين الأخيرين من ولايته مرشحين لمزيد من التجاذبات الداخلية والتحولات في السياسة الخارجية الأمريكية.




