ثقافة و فنونقضايا و آراء

من «وهم الإله» إلى تراجع التدين في أوروبا.. تحولات عميقة في علاقة الغرب بالدين

الجزيرة نت+ وكالات

شكّل صدور كتاب «وهم الإله» (The God Delusion) للفيلسوف البريطاني ريتشارد دوكينز عام 2006 محطة بارزة في النقاش الفكري الغربي حول الدين والإيمان. فقد حقق الكتاب انتشارًا واسعًا، تجاوزت مبيعاته ثلاثة ملايين نسخة، وتُرجم إلى 35 لغة، حتى وُصف بأنه أحد أبرز المراجع الفكرية لحركة «الإلحاد الجديد» التي سعت إلى إخضاع المعتقدات الدينية للنقد العلمي والفلسفي، وجعلت مساءلة الدين موضوعًا حاضرًا بقوة في المجال العام.

ولم يكن نجاح الكتاب مجرد مؤشر على الإقبال على مؤلَّف فلسفي ينتقد الإيمان، بل عكس، في سياقه التاريخي، تحولات أعمق شهدها المجتمع الغربي في نظرته إلى الدين ومكانته في الحياة العامة. فقد جاء صدوره في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وما تلاها من حروب وصراعات في أفغانستان والعراق، وهي أحداث أعادت قضايا الدين والهوية الدينية والعلاقة بين العقيدة والعنف إلى صدارة النقاش السياسي والثقافي.

وفي الوقت الذي راهن فيه كثيرون، بعد نهاية الحرب الباردة، على مرحلة جديدة تتقدم فيها العولمة والتحولات الاقتصادية على الانقسامات الأيديولوجية التقليدية، أعادت التطورات الدولية طرح أسئلة جوهرية بشأن دور الدين في تشكيل الهوية الغربية، وحدود تأثيره في السياسة والمجتمع. وفي هذا المناخ، برز خطاب الإلحاد الجديد بوصفه تيارًا نقديًا لا يكتفي بمناقشة المعتقدات الدينية، بل يتناول أيضًا المؤسسات الدينية وتأثيرها في المجال العام.

ومن هذا المنطلق، تجاوزت أهمية كتاب دوكينز حدود نقد التصورات اللاهوتية التقليدية، لتفتح المجال أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل الإيمان في المجتمعات الغربية، وإمكان ظهور تصورات دينية أو روحية بديلة تستجيب للتحولات الثقافية والاجتماعية. وضمن هذا النقاش، طُرحت أيضًا أسئلة حول موقع الإسلام والمسلمين في الغرب، ومدى إمكانية تحولهم، على المدى البعيد، إلى جزء من المشهد الديني البديل في مجتمعات تشهد تراجعًا في الارتباط بالمؤسسات والمرجعيات المسيحية التقليدية.

غير أن النقاش حول مستقبل الدين في أوروبا لم يظل محصورًا في سجالات الفلاسفة والمفكرين، بل اكتسب أبعادًا جديدة مع ظهور نتائج دراسات اجتماعية تناولت علاقة الأجيال الشابة بالمعتقدات الدينية. ففي ربيع عام 2018، لفتت دراسة بعنوان «شباب أوروبا والدين» الأنظار إلى اتساع ظاهرة الابتعاد عن الدين بين الشباب في عدد من الدول الأوروبية.

وأشرف على هذه الدراسة ستيفن بوليفانت، أستاذ اللاهوت وعلم اجتماع الدين بجامعة سانت ماري في لندن، وأظهرت نتائجها أن الانتماء الديني لم يعد يمثل مرجعية أساسية لدى قطاعات واسعة من الشباب في اثنتي عشرة دولة شملها المسح، إذ أفاد كثيرون منهم بأنهم لا ينتمون إلى أي دين.

وأعادت هذه النتائج طرح سؤال جوهري بشأن مستقبل المسيحية في أوروبا، وحدود استمرار حضورها في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية للأجيال الجديدة. كما سلطت الضوء على الفارق بين الانتماء الديني الموروث، الذي ارتبط تاريخيًا بالأسرة والمجتمع، والتدين بوصفه اختيارًا شخصيًا يتأثر بالتغيرات الثقافية والتعليمية والاجتماعية.

وبذلك، يكشف المسار الممتد من صعود خطاب الإلحاد الجديد إلى تراجع الانتماء الديني لدى شرائح من الشباب الأوروبي عن تحولات متداخلة في علاقة المجتمعات الغربية بالدين. وهي تحولات لا يمكن اختزالها في انتشار الإلحاد وحده، بل تستدعي قراءة أوسع للعوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تعيد تشكيل معنى الإيمان والانتماء الديني في أوروبا المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة