قضايا و آراء

حين تصبح السلطة لخدمة الإنسان لا بوابة إلى الجنة

في مقولة تُنسب إلى البرلماني السوداني الراحل محمد إبراهيم، تبرز رؤية مغايرة للعلاقة بين السياسة والدين، تنطلق من اعتبار السلطة مسؤولية دنيوية لخدمة المواطنين، لا وسيلة لتحديد مصائرهم الأخروية.

تطرح المقولة المنسوبة إلى البرلماني السوداني الراحل محمد إبراهيم تصورًا مختلفًا لوظيفة الحكم وعلاقة السياسة بالدين، إذ تضع أداء السلطة تجاه المواطنين في مقدمة معايير التقييم، بعيدًا عن هوية الحاكم الدينية أو الشعارات التي يرفعها.

وبحسب هذا التصور، لا ينبغي أن يكون انتماء الحاكم الديني هو المعيار الحاسم للحكم على تجربته السياسية، بقدر ما يفترض أن يكون السؤال الأساسي متعلقًا بما تقدمه السلطة للناس: هل توفر فرص العمل؟ هل تصون الحرية؟ هل تحمي الكرامة الإنسانية؟ وهل تضمن للمواطن حياة آمنة ومستقرة تحفظ له حقوقه وعزة نفسه؟

وتنطلق هذه الرؤية من التمييز بين المجال السياسي والمجال الديني؛ فالإيمان، وفق هذا الطرح، شأن يرتبط بقناعة الإنسان وعقيدته، بينما تتمثل مهمة الدولة في إدارة شؤون المجتمع وتنظيم الحياة العامة وضمان الحقوق وتحقيق المصلحة العامة. أما المصير الأخروي، فلا تملكه السلطة السياسية ولا يمكن أن يتحول إلى أداة لتبرير الوصول إلى الحكم أو احتكار القرار.

ومن هنا، تنتقد الفكرة تحويل التنافس السياسي إلى صراع ديني، أو تصوير الوصول إلى السلطة باعتباره طريقًا إلى الخلاص والنجاة في الآخرة. فالسلطة، في نهاية المطاف، ليست مؤسسة لإدارة معتقدات الناس، وإنما مسؤولية عامة يفترض أن تقاس نتائجها بما تحققه من أمن وعدالة وحرية ورفاه وكرامة.

ويعيد هذا الطرح توجيه النقاش حول الحكم إلى معيار أكثر واقعية: ليس المهم فقط من يحكم، وإنما كيف يحكم، وماذا يقدم للمواطنين؟

فالحكومة التي تنجح في توفير فرص العمل، وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز العدالة، وصون كرامة الإنسان، تقترب من جوهر وظيفتها بصرف النظر عن الخطاب الذي تتبناه أو الخلفية الدينية للحاكم. وفي المقابل، فإن رفع الشعارات الدينية لا يمكن أن يكون بديلًا عن الأداء السياسي أو مبررًا للتقصير في المسؤوليات الأساسية للدولة.

وفي هذا السياق، يصبح تقييم السلطة مرتبطًا بمدى وفائها بالتزاماتها تجاه المواطنين، لا بالانتماءات التي تستند إليها أو الخطابات التي تستخدمها لتبرير سياساتها. فالدولة، وفق هذا التصور، ليست وصيًا على عقائد الناس، بل إطارًا سياسيًا وقانونيًا لتنظيم حياتهم وحماية حقوقهم وتحقيق المصلحة العامة.

ويختصر هذا الطرح جوهره في نقل السؤال السياسي من «من يحكم باسم الدين؟» إلى سؤال أكثر ارتباطًا بحياة الناس اليومية: «كيف يحكم؟ وماذا يقدم للمواطن؟»

فحين تتحول السلطة من غاية في حد ذاتها إلى وسيلة لخدمة الإنسان، يصبح معيار نجاحها ما تتركه في حياة الناس من حرية وكرامة وأمن وعدالة وفرص، لا ما تعدهم به من مكاسب تتجاوز حدود الحياة الدنيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة