حوادث غرق مراكب الصيد تتكرر.. أسئلة مهنية حول السلامة والوقاية والمراقبة

حوادث متكررة تعيد ملف السلامة البحرية إلى الواجهة، وتطرح أسئلة حول جاهزية المراكب، فعالية الصيانة والمراقبة، ودور الظروف البحرية والعامل البشري في وقوع الحوادث

لم تعد حوادث غرق مراكب الصيد، التي سجلت خلال الآونة الأخيرة، تُنظر إليها في أوساط عدد من المهنيين باعتبارها مجرد وقائع بحرية معزولة تفرضها طبيعة العمل في البحر، بل أصبحت تثير نقاشاً متزايداً حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها، ومدى ارتباطها بالأعطاب التقنية أو الظروف البحرية أو عوامل أخرى قد تتداخل في ما بينها.
وبقدر ما يظل البحر مجالاً محفوفاً بالمخاطر، فإن تكرار مثل هذه الحوادث يفرض، من منظور مهني، فتح نقاش جدي وموضوعي حول منظومة السلامة البحرية، ليس بغرض توجيه الاتهامات إلى أي جهة، وإنما سعياً إلى تحديد المسؤوليات والوقوف على مكامن الخلل، بما يضمن تعزيز إجراءات الوقاية وحماية أرواح البحارة.
الجاهزية التقنية.. هل كانت المراكب مؤهلة للإبحار؟
من بين أبرز الأسئلة التي تطرح نفسها، الحالة التقنية للمراكب قبل مغادرتها الموانئ.
هل خضعت هذه المراكب لأعمال الصيانة الدورية وفق المعايير المطلوبة؟ وهل كانت المحركات وأنظمة الكهرباء والضخ والملاحة في حالة تشغيل سليمة؟ وماذا عن معدات الإنقاذ والاتصال، وهل كانت متوفرة وصالحة للاستعمال عند الحاجة؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاستناد إلى الانطباعات أو التكهنات، وإنما تحتاج إلى العودة إلى سجلات الصيانة وتقارير الفحص والمعاينات التقنية، فضلاً عن نتائج الخبرة التي ينبغي أن تُجرى على كل مركب بشكل مستقل.
فالتمييز بين عطب مفاجئ لا يمكن توقعه، وخلل تقني كان من الممكن اكتشافه خلال عمليات الفحص والصيانة، يظل مسألة أساسية لفهم ملابسات أي حادث وتحديد مكامن الخلل المحتملة.
الظروف البحرية.. عامل خطر أم سبب مباشر؟
لا يمكن، في المقابل، دراسة أي حادث بحري بمعزل عن الظروف التي وقع فيها.
فالرياح، وارتفاع الأمواج، وقوة التيارات البحرية، ومدى الرؤية، إلى جانب المعطيات المرتبطة بالطقس، كلها عوامل يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على استقرار المركب وسلامة الطاقم.
غير أن السؤال المهني لا يتوقف عند معرفة حالة البحر لحظة وقوع الحادث، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد مدى تأثيرها الفعلي.
فهل كانت الظروف البحرية وحدها كافية للتسبب في الحادث؟ أم أنها تزامنت مع عطب تقني أو خطأ بشري أو عامل آخر ساهم في تفاقم الوضع؟
وهنا تبرز أهمية مطابقة توقيت ومكان كل حادث مع المعطيات الجوية والبحرية المسجلة في المنطقة، بما يسمح ببناء صورة دقيقة عن الظروف التي أحاطت به.
الصيانة والمراقبة الوقائية.. أين يمكن أن يكون الخلل؟
إذا خلصت الخبرة التقنية إلى أن سبب الحادث مرتبط بعطب معين، فإن السؤال التالي يصبح أكثر دقة: هل كان هذا العطب مفاجئاً، أم أن مؤشرات وجوده كانت قائمة قبل الإبحار؟
فالفرق كبير بين خلل يظهر بشكل مفاجئ دون مؤشرات سابقة، وبين خلل كان من الممكن رصده خلال عمليات الصيانة أو الفحص الدوري واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنه.
ومن هنا تبرز أهمية تقييم منظومة المراقبة الوقائية، ليس فقط بعد وقوع الحوادث، وإنما قبل السماح للمراكب بمغادرة الميناء، والتأكد من أن شروط السلامة لا تستند إلى إجراءات شكلية، بل إلى فحوص فعلية وفعالة.
فرضية الفعل المتعمد.. بين الشك والدليل
في خضم النقاش الدائر، قد تظهر أحياناً فرضيات تتحدث عن احتمال وجود فعل متعمد وراء بعض الحوادث.
غير أن هذه الفرضية، بحساسيتها وخطورتها، تحتاج إلى قدر كبير من الحذر والمسؤولية في التعامل معها. فتكرار الحوادث، مهما كان لافتاً، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود عمل متعمد، كما أن الشك لا يمكن أن يتحول إلى اتهام دون أدلة مادية واضحة.
وفي حال وجود شبهة جنائية فعلية، فإن الحسم فيها يظل من اختصاص الجهات المختصة، استناداً إلى التحقيقات القضائية والخبرات التقنية والأدلة المادية وشهادات المعنيين.
أما في غياب هذه المعطيات، فتبقى فرضية الفعل المتعمد مجرد احتمال، ولا ينبغي تقديمها للرأي العام باعتبارها حقيقة ثابتة.
هل تحتاج منظومة السلامة البحرية إلى مراجعة؟
وربما يكون هذا السؤال هو الأهم الذي تطرحه هذه الحوادث المتكررة.
فبغض النظر عن النتائج التي ستخلص إليها التحقيقات في كل حادث على حدة، فإن تكرار الوقائع يستدعي، من الناحية المهنية والوقائية، تقييم منظومة السلامة البحرية بشكل شامل.
هل آليات المراقبة الحالية كافية؟ وهل تخضع عمليات الصيانة للتتبع المنتظم؟ وهل يتم فحص معدات الإنقاذ والاتصال بشكل دوري وفعلي؟ وكيف يتم التعامل مع التحذيرات والتغيرات الجوية قبل وأثناء الرحلات البحرية؟
ثم ماذا عن تكوين البحارة ومدى جاهزيتهم للتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً في الظروف البحرية الصعبة؟
طرح هذه الأسئلة لا يعني بالضرورة وجود تقصير أو خلل، لكنه يمثل خطوة ضرورية نحو الوقاية، لأن منظومات السلامة الحديثة




