قضايا و آراء

الصحافة الإسبانية تنتقل من تغطية الوقائع إلى تفكيك أزمة الهجرة بسبتة

وكالات

مع دخول أزمة الوصول الجماعي للمهاجرين إلى مدينة سبتة المحتلة يومها الثالث، اتجهت وسائل الإعلام الإسبانية إلى توسيع دائرة تغيتها، متجاوزة رصد أعداد الوافدين وحصيلة الضحايا والتطورات الأمنية الميدانية، نحو تحليل الأبعاد السياسية والقانونية للأزمة. وانصب اهتمام أبرز الصحف الإسبانية على سؤالين محوريين: من يتحمل مسؤولية ما حدث؟ وما السبل الكفيلة باحتواء واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة؟

“إلباييس”: مقاربة إنسانية ودعوة إلى التعاون
اختارت صحيفة “إلباييس”، المحسوبة على تيار يسار الوسط، اعتماد مقاربة إنسانية في تغطيتها، معتبرة أن سبتة تواجه وضعاً استثنائياً بفعل التدفق الكبير للمهاجرين، وما نتج عنه من ضغط غير مسبوق على الأجهزة الأمنية، وخدمات الإنقاذ، ومراكز الاستقبال.

وركزت الصحيفة على توصيف الأزمة باعتبارها “أزمة إنسانية”، مستعملة مفردات مثل “التعاون” و”التضامن الأوروبي”، ومؤكدة أن معالجة الوضع تستدعي تنسيقاً وثيقاً بين مدريد والرباط وبروكسيل، بدلاً من تبادل الاتهامات السياسية.

كما ربطت الصحيفة الأزمة بعوامل اجتماعية واقتصادية، إلى جانب نشاط شبكات تهريب البشر، دون تحميل المغرب مسؤولية مباشرة عن تطورات الأيام الأولى. وأشارت إلى أن الحكومة الإسبانية دعت أعضاءها إلى تجنب مهاجمة المغرب أو توجيه اتهامات رسمية إليه.

وفي السياق ذاته، أبرزت الصحيفة انتقادات رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، لما وصفه بـ”المواقف الأنانية” لبعض الحكومات الأوروبية في التعاطي مع الأزمة، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه السماح بردود فعل “أنانية وانقسامية وغير قانونية” تجاه أزمة تمس حدوده الخارجية.

وجاءت تصريحات سانشيز رداً على رسالة وقعها قادة 22 دولة أوروبية، من بينها ألمانيا وإيطاليا، طالبوا فيها المفوضية الأوروبية بعقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية، وتعزيز التنسيق الأوروبي لدعم إسبانيا في مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية. وشدد رئيس الحكومة الإسبانية على أن مواجهة الأزمة تقتضي تعزيز التضامن الأوروبي واحترام المبادئ المشتركة، بعيداً عن الإجراءات الأحادية التي قد تهدد وحدة الموقف الأوروبي.

“إلموندو”: أولوية للبعد الأمني والقانوني
في المقابل، أولت صحيفة “إلموندو” اهتماماً أكبر للجوانب الأمنية والقانونية، معتبرة أن قرار المحكمة العليا الإسبانية القاضي بمنع الإرجاع الفوري للمهاجرين ساهم في خلق ما وصفته بـ”عامل الجذب”، الذي شجع آلاف الشباب المغاربة على محاولة الوصول إلى سبتة.

ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية أن السلطات الإسبانية لم تكن مستعدة للتعامل مع هذا الحجم من التدفقات، مشيرة إلى أن التعزيزات الأمنية جاءت متأخرة، وأن الدروس المستخلصة من أزمة عام 2021 لم تُترجم إلى إجراءات عملية كافية.

كما استعرضت الصحيفة اتهامات موجهة إلى المغرب بالسماح بتفاقم التدفقات واستغلالها سياسياً، إلى جانب انتقادات داخلية لسياسة الحكومة الإسبانية في إدارة علاقاتها مع الرباط، دون أن تحسم مسؤولية الأزمة لصالح طرف بعينه.

“إيه بي سي”: تشديد أمني ومطالب بتعزيز حماية الحدود
أما صحيفة “إيه بي سي”، فقد تبنت خطاباً يغلب عليه الطابع الأمني، مركزة على ضرورة استعادة السيطرة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتعزيز القدرات الأمنية الإسبانية، وتسريع التنسيق الأوروبي لمواجهة الهجرة غير النظامية.

وأبرزت الصحيفة مطالب بتوسيع دور وكالة “فرونتكس” وتشديد إجراءات مراقبة الحدود، كما نقلت اتهامات صادرة عن مصادر أمنية وسياسية للمغرب بالسماح بتفاقم تدفقات المهاجرين، بالتوازي مع انتقادات للحكومة الإسبانية بسبب بطء استجابتها وعدم جاهزية أجهزتها الأمنية للتعامل مع الأزمة.

“لافانغوارديا”: من حلم العبور إلى خيبة العودة
من جانبها، سلطت صحيفة “لافانغوارديا” الضوء على الجانب الإنساني للأزمة من زاوية مختلفة، من خلال تتبع التحول السريع في أوضاع آلاف المهاجرين المغاربة، الذين انتقلوا من نشوة الوصول إلى سبتة أملاً في استكمال طريقهم نحو أوروبا، إلى خيبة الأمل والعودة الطوعية إلى المغرب خلال أقل من 24 ساعة.

وأوردت الصحيفة شهادات لمهاجرين أكدوا أنهم استندوا إلى معلومات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحدثت عن سهولة العبور وإمكانية تسوية أوضاعهم القانونية، قبل أن يصطدموا بواقع مغاير تمثل في غياب المأوى والغذاء وفرص العمل.

وأشار التقرير إلى أن التدفق الجماعي ما كان ليحدث، بحسب الصحيفة، لولا ما وصفته بتساهل عناصر الأمن المغربي في مراقبة الحدود، منتقداً في الوقت نفسه استمرار الحكومة الإسبانية في وصف المغرب بـ”الشريك الموثوق”.

وخلصت الصحيفة إلى أن الأزمة عكست حجم الإحباط الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي، واستعداد الكثير منهم للمجازفة من أجل الهجرة، حتى وإن استندت تلك المحاولات إلى معلومات مضللة أو وعود غير مؤكدة، وهو ما يبرز تعقيد الظاهرة وتشابك أبعادها الإنسانية والاجتماعية والسياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة