“التويزة” الموريتانية.. تقليد اجتماعي عريق يجسد قيم التكافل والتعاون في الأرياف

لا تزال بعض القرى الموريتانية تحافظ على تقليد اجتماعي متوارث يعكس روح التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، يتمثل في التطوع الجماعي لمساعدة الأسر خلال بناء منازلها، ولا سيما في مرحلة تسقيف البيوت، التي تتطلب جهداً جماعياً وتعاوناً واسعاً.

ويشبه هذا التقليد، في جوهره، عادة “التويزة” المعروفة في عدد من مناطق المغرب، حيث يتطوع السكان لإنجاز الأعمال الزراعية، مثل الحصاد والدرس وجزّ الأغنام، في صورة تجسد قيم التعاون والتآزر بين أفراد المجتمع.
ولا يزال هذا التقليد حاضراً في عدد من أرياف موريتانيا، خاصة في المناطق الواقعة بين مدينتي سيلبابي وكوري، حيث يواصل السكان الحفاظ على هذا الإرث الاجتماعي الذي يعزز روابط الأخوة والتكافل بين الأهالي. فعندما يحتاج أحد السكان إلى المساعدة في بناء منزله، يتكاتف رجال القرية لإنجاز العمل دون مقابل، في مشهد يعكس عمق العلاقات الاجتماعية التي تميز هذه المجتمعات الريفية.
وتبدأ الدعوة إلى المشاركة من المسجد، إذ يعلن صاحب المنزل، عقب صلاتي المغرب أو العشاء، عن موعد العمل في اليوم التالي، داعياً أبناء القرية إلى المساهمة. ومع ساعات الصباح الأولى، يتوافد المتطوعون تباعاً إلى موقع البناء، حيث يباشرون العمل بحماس وانضباط وروح جماعية حتى إنجاز المهمة.
ويقتصر دور صاحب المنزل على توفير الطعام والشراب وإعداد الشاي للمتطوعين طوال يوم العمل، تقديراً لجهودهم، دون أن يتحمل أي أعباء مالية مقابل ما يقدمونه من دعم.
ويعد هذا التقليد أحد أبرز مظاهر التضامن الاجتماعي في المجتمع الموريتاني، إذ يعكس قيماً راسخة توارثتها الأجيال، ويؤكد أن روح التعاون والتآزر ما تزال حية في العديد من المناطق الريفية، رغم التحولات التي شهدتها أنماط الحياة الحديثة.




