غرب إفريقيا… من هامش الطرق إلى قلب شبكة تهريب الكوكايين العالمية

تشهد طرق تهريب الكوكايين على المستوى العالمي تحوّلاً لافتاً في بنيتها ومساراتها، مع بروز غرب إفريقيا كممر استراتيجي يربط بين مناطق الإنتاج في أمريكا الجنوبية وأسواق الاستهلاك في أوروبا. هذا التحول لم يعد مجرد ظاهرة ظرفية أو نشاطاً متقطعاً، بل بات يعكس نمطاً شبه مستقر ضمن ديناميات الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

وبحسب معطيات أوردتها مجلة لوموند ديبلوماتيك، يرتبط هذا التطور بارتفاع غير مسبوق في الإنتاج العالمي للكوكايين، خاصة في كولومبيا التي عززت موقعها كأكبر منتج عالمي، مع بلوغ الإنتاج نحو 4000 طن سنوياً خلال العقد الأخير. في المقابل، تواصل أوروبا تصدرها لأسواق الاستهلاك، ما يدفع الشبكات إلى البحث عن مسارات بديلة أقل عرضة للرقابة وأكثر قدرة على تأمين تدفق الشحنات.
في هذا السياق، توفر سواحل غرب إفريقيا موقعاً جغرافياً مثالياً لإعادة توزيع الكوكايين، مدعومة بتوسع ملحوظ في البنية التحتية للموانئ. فقد سجلت حركة الحاويات نمواً بنسبة 57% بين عامي 2010 و2022، دون أن يواكب ذلك ارتفاع مماثل في عمليات التفتيش، حيث تخضع نسبة محدودة فقط من الحاويات للفحص، ما يخلق بيئة مواتية لإخفاء المخدرات ضمن شحنات قانونية.
وتعكس كميات الشحنات المضبوطة هذا التحول بوضوح، إذ شهدت المنطقة عمليات اعتراض كبيرة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها ضبط 10.7 أطنان في خليج غينيا في مارس 2024، تلتها شحنة بنحو 9.6 أطنان في سبتمبر 2025، إضافة إلى مصادرة 9.5 أطنان في الرأس الأخضر عام 2019. وتقدَّر قيمة كل شحنة بأكثر من 500 مليون يورو، ما يعكس الحجم الهائل للأموال المتداولة في هذه التجارة غير المشروعة.
كما تكشف هذه الأرقام عن تحول نوعي في حجم النشاط، إذ كانت الكميات المضبوطة لا تتجاوز طنين سنوياً بين 2012 و2018، قبل أن تقفز إلى مستويات تفوق ذلك بنحو عشر مرات بعد 2019، في مؤشر على تعاظم دور غرب إفريقيا كممر رئيسي، وليس مجرد تحسن في قدرات أجهزة المكافحة.
ميدانياً، لم تعد الحاويات الوسيلة الوحيدة المعتمدة في التهريب، حيث لجأت الشبكات إلى استخدام سفن الصيد لنقل الشحنات إلى عرض البحر، قبل إعادة توزيعها عبر قوارب صغيرة على طول السواحل. ويُعد هذا الأسلوب أكثر مرونة وأقل عرضة للرصد، خاصة في ظل محدودية الإمكانات البحرية لدى عدد من دول المنطقة.
ولم يعد المرور مقتصراً على المسارات التقليدية مثل جزر الكناري أو الرأس الأخضر، بل توسع ليشمل خليج غينيا ومناطق في وسط القارة، ما يمنح الشبكات مرونة أكبر في تفادي الرقابة ويعقّد مهام الأجهزة الأمنية.
على مستوى الفاعلين، لم يعد النشاط مقتصراً على شبكات أمريكا اللاتينية، إذ برز حضور متزايد لمجموعات أوروبية، إلى جانب تنظيمات برازيلية مثل القيادة الأولى للعاصمة، في دلالة على الطابع العابر للحدود لهذه التجارة وتشابك المصالح بين أطراف متعددة.
ويعتمد هذا التداخل الدولي في كثير من الحالات على وسطاء محليين يوفرون خدمات لوجستية تشمل التخزين والنقل والتنسيق، وغالباً ما ينشطون تحت غطاء أعمال تجارية مشروعة، ما يتيح لهم التحرك داخل الاقتصاد الرسمي دون إثارة الشبهات. كما تشير المعطيات إلى وجود حالات تواطؤ فردية تسهم في تسهيل مرور الشحنات، سواء عبر التغاضي أو مقابل مكاسب مالية.
في المقابل، تبقى الملاحقات القضائية محدودة مقارنة بحجم الظاهرة، إذ نادراً ما تنتهي القضايا الكبرى بأحكام نهائية، ما يعكس تعقيد هذه الشبكات وقدرتها على التكيف وإعادة الانتشار عند التعرض لضغوط أمنية، وهو ما يطرح تحديات متزايدة أمام جهود المكافحة الدولية.




