قضايا و آراءمال و أعمال

المحكمة العليا الأميركية تكبح رسوم ترامب الجمركية: ضربة دستورية واقتصادية قبل الاستحقاقات الانتخابية

في سابقة قضائية لافتة، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمًا بأغلبية (6-3) يقضي برفض لجوء الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق على أكثر من مئة دولة، من بينها شركاء استراتيجيون مثل الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك.

القرار لا يقتصر على كونه انتصارًا قانونيًا يتعلق بتفسير الصلاحيات الدستورية، بل يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية عميقة، إذ يوجّه ضربة مباشرة إلى النهج الذي تبنّاه ترامب في إدارة السياسة التجارية، والقائم على استخدام الرسوم الجمركية أداة ضغط لفرض شروط واشنطن على الحلفاء والخصوم على حد سواء.

أكدت المحكمة في حكمها أن سلطة فرض الضرائب والرسوم الجمركية هي اختصاص حصري للكونغرس، وأن التذرع بحالة “طوارئ اقتصادية” لتجاوز هذا الإطار يمثل انتهاكًا صريحًا لمبدأ الفصل بين السلطات.
ويمثل القرار تقييدًا واضحًا لقدرة الرئيس على توظيف قوانين الطوارئ كغطاء لتوسيع النفوذ التنفيذي في الملفات الاقتصادية، ما يعيد التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في واحدة من أكثر القضايا حساسية في النظام الدستوري الأميركي.

إقتصاديًا، يفتح الحكم الباب أمام مراجعة شاملة للسياسات التجارية التي فُرضت خلال فترة ترامب. فقد تراوحت الرسوم بين 10% و34%، ما انعكس، وفق تقديرات خبراء، في ارتفاع تكلفة المعيشة على الأسر الأميركية بمتوسط يتجاوز ألف دولار سنويًا.
ويرى اقتصاديون أن هذه الرسوم تحولت فعليًا إلى “ضريبة غير مباشرة” على المستهلك، بدل أن توفر حماية فعالة للصناعة الوطنية كما رُوّج لها.

كما يُتوقع أن تلجأ شركات أميركية تكبدت خسائر جراء هذه الرسوم إلى المطالبة باسترداد مليارات الدولارات عبر دعاوى قضائية، ما قد يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق ويضع الإدارة الجمهورية أمام تحديات قانونية ومالية إضافية في إدارة الملف التجاري.

سياسيًا، يأتي الحكم في توقيت بالغ الحساسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ويضع القرارفريق ترامب والحزب الجمهوري أمام معادلة صعبة، إذ يضعف الخطاب القائم على تصوير الرسوم الجمركية كأداة دفاعية لحماية الاقتصاد الأميركي من “الممارسات غير العادلة”.

في المقابل، يمنح القرار خصوم ترامب مادة سياسية لتعزيز اتهاماتهم بأن سياساته اتسمت بتجاوزات دستورية أضرت بالمستهلكين والشركات الأميركية، ما قد يدفع قيادات الحزب الجمهوري إلى البحث عن مقاربات أكثر مؤسسية وتنسيقًا مع الكونغرس بدلًا من الاعتماد على قرارات أحادية.

على الصعيد الدولي، رحّبت عواصم أوروبية وكندا بالحكم باعتباره خطوة تعيد الثقة في النظام التجاري العالمي وتحد من السياسات العقابية أحادية الجانب. أما الصين فاعتبرت القرار انتصارًا لسيادة القانون على الإجراءات الانفرادية.

ويعزز الحكم صورة الولايات المتحدة كدولة مؤسسات قادرة على ضبط التوازن بين السلطات، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود النهج التصادمي الذي طبع السياسة التجارية في تلك المرحلة.

في المحصلة، يجد ترامب نفسه أمام تحدٍ مزدوج:
داخليًا، بسبب الانتقادات المرتبطة بتحميل المواطن الأميركي كلفة سياساته التجارية؛
وخارجيًا، نتيجة فقدان أداة ضغط رئيسية كانت تستخدم في إدارة العلاقات الاقتصادية الدولية.

ويمثل الحكم محطة مفصلية في مسار الجدل حول السياسات الحمائية في الولايات المتحدة، ويعيد رسم حدود استخدام مفهوم “الأمن القومي” في الملفات الاقتصادية، مؤكدًا أن حماية الاقتصاد لا يمكن أن تتم على حساب الدستور أو عبر إجراءات أحادية تفتقر إلى التوافق المؤسسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة