أخبار و حوادث

تبون في روسيا .. يجعل من الجزائر سوريا الثانية


بقلم: عبد الهادي مزراري


تأخرت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجبد تبون إلى روسيا، وهي الزيارة التي تم الإعلان عنه منذ شهور في الوقت نفسه الذي أعلن فيه عن زيارة مبرمجة له لفرنسا. وظلت وسائل الاعلام في العواصم الثلاث موسكو والجزائر وباريس تتحدث عنها وتترقبها تحت سقف يقطر بالأسئلة حول مضمونها واهميتها والأهداف المنتظرة منها.
لم تكن الهالة الإعلامية التي تحيط بالزيارة بسبب أهمية الجزائر في حد ذاتها، وإنما بسبب الاهمية التي يكتسيها الصراع بين موسكو والعواصم الغربية. وبالتالي كان السؤال هو من سيثبت حصانه في المربع الجزائري على رقعة السطرنج، فرنسا أم روسيا؟
تهرب النظام الجزائري لفترة طويلة من الإعلان عن خياراته الخارجية بين الشرق والغرب، فهو يتغنى بالعلاقات التاريخية مع موسكو، ولكن في الوقت نفسه كل علاقاته الاقتصادية مع دول في الغرب وفي مقدمتها فرنسا التي تملك نفوذا اقتصاديا وسباسبا وثقافيا كبيرا في الجزائر.
منذ دخوله في الحرب في اوكرانيا وضع الرئيس الروسي فلادمير بوتين لائحة وخط عنوانها ب”أصدقاء روسبا”، وكان يهدف بذلك كسر الحصار الذي تفرضه عليه الدول الغربية، وباستثناء المواقف الادبية التي عبر عنها النظام الجزائري لروسيا لم يبد بشكل جدي تضامنه مع موسكو، بينما دول عربية اخرى اكثر التصاقا بالغرب قدمت دعما حقيقيا لبوتين ومنها الإمارات العربية المتحدة والسعودية واتخذت مواقف لصالح روسبا في أوبك وأوبك بلوس، فضلا عن تعزيز العلاقات التجارية وتكثيف الرحلات الجوية.
عكس ذلك وطد النظام الجزائري علاقاته مع دول في الغرب، واستقبل زيارات للرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء الإيطالية ووقع عقود طويلة الاجل لتوريد الغاز والنفط لهذه الدول، ضدا على التوجه الروسي الذي كان يهدف إلى جعل أوروبا بدون الغاز الروسي تعيش أزمة حقيقية.
في منظور موسكو، قدم النظام الجزائري حبل النجاة لأوروبا ولفترة طويلة الأمد، وبالتلي فهو نظام ليس بمستوى الحليف الموثوق به، ولهذا قرر القادة الروس وضع السلوك الجزائري تحت المجهر، ومنح النظام في المرادية مهلة لتقرير مصيره، إما معنا أو ضدنا.
مشكلة النظام الجزائري توجد في تركيزه “التوحدي” على قضية الصحراء المغربية، فهو في كل تحركاته وعلالاته الخارجية يضع عداءه للمغرب الهدف الوحيد والأسمى لتنظيم الزيارات، واستقبال الزعماء، والتوقيع على الاتفاقيات، إلى درجة وصل به الهوس جعل مباريات كرة القدم فرصة للتغني بجبهة البوليساريو، فهي تقع في مرتبة أولى قبل اي قضية من قضايا الشعب الجزائري.
نقطة الضعف هاته في النظام الجزائري أصبحت معروفة لدى جميع قادة العالم. ولهذا في كل لقاء يجمع الرئيس الجزائري بزعيم دولة ما يعقبه بلاغ جزائري يتضمن العبارة التالية “عبرت انا وفخامة الرئيس عن تطابق وجهة نظرنا بخصوص النزاع في الصحراء الغربية”. بينما في الجهة المقابلة لا تجد هذه العبارة، لأن المهم بالنسبة للطرف الآخر هو ثروة الجزائر.
تكرر المشهد في لقاءات تبون برئيس الوزراء البرتغالي انطونيو كوستا في ماي 2023، واثناء استقبال رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني في يناير 2023، واستقبال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الشهر نفسه والعام ذاته.
تجدد السيناريو ذاته مع الرئيس الروسي بوتين في يونيو 2023، حيث نجد تبون وحده يتكلم عن “الصحراء الغربية”، ولا وجود لهذا الموضوع في تصريح الرئيس الروسي. وهذا لا يعني أن اللقاء بين تبون وبوتين لم يتطرقا فيه لقضية الصحراء، لكن بسبب تحفظ الجانب الروسي على موقف النظام الجزائري المعروف، وهو أسلوب ديبلوماسي يتسم بالخطورة والذكاء، ترك الهامش للضبف كي يهدي كما يروق له.
بخصوص الهديان، وهو مربط الفرس في هذا المقال الخاص بزيارة تبون إلى روسيا، يجيب الرئيس الجزائري بنفسه عن كل الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الرأي العام والمحللون السياسيون على حد سواء، فهو لم يترك مكانا للتخمبن وقد افصح عن كل شيء، عن موضوع الزيارة والهدف منها، والمكان الذي وضع فيه الجزائر.
بعد خيبة الأمل التي مني بها مع دول الغرب، التي قررت تأييد المغرب في قضية الصحراء (امريكا إسبانيا ألمانيا البرتغال هلندا)، وتردد فرنسا في الوقوف بشكل تام إلى جانب أطروحة الجزائر، استجاب النظام الجزائر للاستدعاء (وليس دعوة) الذي تلقاه من روسبا، وأرسل تبون إلى موسكو بتذكرة سفر “ذهاب دون إياب”، أي بمعنى إلقاء الجزائر في حضن روسيا جملة وتفصيلا.
من أخطر ما ارتكبه تبون من اخطاء في هذه الزيارة، هو طلب الحماية من روسيا لدعم استقلال الجزائر، فهل الجزائر غير مستقلة؟ ثم إعلانه عن قرار الجزائر الانتهاء بالعمل بعملة الدولار والاورو، وهو أمر لم تعلنه حتى روسيا، ولا حتى الصين التي هي الآن أكبر قوة اقتصادية في العالم.
عطفا على هذه العثرة الخطيرة، تقدم بطلب مساعدة روسيا لانضمام الجزائر إلى مجموعة البريكس، والغريب في المسألة ليس إعلان طلب الانضمام، ولكن بالطريقة التي جاء بها في ثوب الاستعطاف، وهو ما يجعل روسيا في موقف حرج من جهة، ويجعل التحاق الجزائر بهذه المجموعة حرجا لها ككل لأن الجزائر سبق ان تقدمت بالطلب وتم رفضها لعدم توفرها على الشروط الاقتصادية والمالية المطلوبة.
يبقى المشكل الخطير هو ما سينتج عن تصريحات تبون الهوجاء وعن هدفه المعلن بشكل أبله من زيارته إلى موسكو، هو ردة الفعل الفربية، وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية.
لا يمكن أن تسمح واشنطن ولا أي دولة تتعامل مع الجزائر لتصريحات تستهدف عملاتها وعلاقاتها بهذا الشكل، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار ان الولايات المتحدة سبق ان نبهت النظام الجزائري إلى خطورة تصرفاته بإيراداته من العملات من الدولار والاورو المتحصل عليها من بيعه للنفط والغاز في اسواق بلدان غربية فيما بتوجه إلى موسكو لدفعها مقابل شراء الأسلحة من روسيا.
من أين سيتحصل النظام الجزائري على المال إذا فرضت عليه الدول الغربية حصارا؟ واين سيبيع منتحاته من النفط والغاز؟ وماذا سيبيع إلى روسيا وماذا سيشتري منها؟
لم يعد اقتناء الاسلحة ممكنا من روسيا في الوقت الحالي، لان الجيش الروسي بدوره يبحث عن الاسلحة والذخائر من امكنة اخرى في العالم.
ما من مجال لتطوير العلاقات الروسية الجزائرية في الوقت الراهن إلا بفتح قواعد عسكرية روسية في الجزائر، وهذا ما يخطو الدب الروسي باتجاهه ويشكل هدفا ثمينا له، وحتى يتمكن من تثبيت قواته بالقرب من الخاصرة الجنوبية لأوروبا، وعلى رأس القارة الأفريقية في شمالها.
لكن هل ستبقى الدول الغربية مكتوفة الايدي تتفرج على هذا التحول الخطير ابذي قدمعده النظام الجزائري في طبق من ذهب لمويكو؟
طبعا،لا يمكن ان يحدث ذلك، وما دام تبون ذهب إلى موسكو وقطع الشك باليقين وقال لروسبا “هيت لك”، فإن باب الحوار مع المرادية أغلق، وأصبح الحل الوحيد امام الدول الغربية التي شتمها تبون وتنكر لعلاقاته معها هو قلب الكاولة عليه من الأسفل.
أخطأ النظام الجزائري في وضع البلاد في موقع لا تحسد، ولم يعرف كيف يتصرف بحنكة في لحظة تصادم خطير بين الشرق والغرب، وبالتالي على الشعب الجزائري المسكين ان يتوقع في الآتي من الأيام نقصا حادا في مواد أساسية كثيرة يستوردها من الغرب، كما ستزداد الوضعية الاقتصادية تأزما سينجم عنها انفجار اجتماعي بدون صمام أمان، والخوف كله ان يقرر النظام العسكري العالق في الازمة السياسية مواجهة المتظاهرين بالرصاص في مشهد يحاكي الازمة السورية، لقد وصع تبون نفسه في المكان نفسه الذي يقف فيه بشار الاسد الى جانب بوتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة