أخبار و حوادث

خلفية محاولة الإنقلاب الأخير بمالي والصراع الدولي بالساحل

مند سنة 2020 ومالي تعيش على وقع الإنقلابات، ففي شهر مايو 2021  وصل العقيد  غويتا إلى السلطة، وكانت وراء ذلك  أزمة سياسية وعسكرية متصاعدة، بلغت ذروتها نؤخرا لما أعلنت السلطات المالية يوم 14 غشت 2025 عن إحباط محاولة انقلابية أخرى، تعد الأكثر خطورة منذ إستيلاء غويتا على الحكم، مما يفسر بأن هناك  تعقيدات تحيط بالمشهد السياسي الذي تتقاطع فيه المصالح الداخلية والخارجية داخل مالي المضطربة.

ويرى متابعون للشأن المالي، بأن بروز الجنرال عباس ديمبيلي كشخصية محورية، لها إرتباط وثيق بتدرجه في مناصب عسكرية حساسة كقائد وحدة “الكوماندوز المتطوعون” إلى قائد المنطقة العسكرية بتمبكتو ثم منصب والي موبتي، الولاية الأكثر تعقيداً من الناحية الأمنية، لأربع سنوات، وكان المرشح الأبرز لقيادة الدولة في حال كان نجح الإنقلاب، عباس الذي كان قد تدريب بكل من فرنسا والولايات المتحدة، كسب خبرة قتالية واسعة أبرزها مشاركته في معركة كونا عام 2013.

كما يرى متخصصون بالوضع بدول الساحل بأن إبعاد عباس المفاجئ عن منصبه كوالي لموبتي، رغم شعبيته الكبيرة بين صفوف الجيش والسكان، يعبر عن عمق الإنقسام الداخلي بالمؤسسة العسكرية بين جناحين :
الجناح الأول محسوب على روسيا ومتحالف مع مجموعة فاغنر الفيلق الأفريقي، أما الجناح الثاني فهو متمسك بعلاقته الوثيقة مع الغرب، في وقت يعاني فيه الجيش إستياء متزايد نتيجة سياسة “غويتا” التي أدت إلى تدهور الوضع الإقتصادي للبلاد بمالي.

إلى جانب عباس، وتورطه في المحاولة الإنقلابية، الجنرال نيما ساغارا، القائدة السابقة للمنطقة العسكرية الشمالية، والتي تعتبر  المرأة الوحيدة التي تمكنت من الوصول لهذه الرتبة العسكرية في تاريخ مالي إلى حد الساعة، نلهيك عن الدبلوماسي الفرنسي الذي أتهم من طرف سلطات مالي بالتخابر مع مخابرات فرنسا.
إلا أن باحثون يرون بأن إعتقال المواطن الفرنسي يعد نقطة تحول في العلاقات المتوترة أصلاً بين باماكو وباريس، منذ طرد القوات الفرنسية من مالي عام 2022، والاي قابلها تعزيز التحالف مع روسيا الذي تأكد مؤخراً في الزيارة المهمة التي قام بها وزير الدفاع المالي لموسكو رفقة نظرائه من النيجر وبوركينا فاسو، في توقيت مثير للإهتمام الذي تزامن مع المحاولة الإنقلابية.

لكن محللون يرون بأن كل ما يحدث الآن على السلحة المالية وغيرها ما هو إلا صراع بين قوى دولية كبرى، ساهمت في إبعاد شخصيات وازنة بمالي كديمبيلي، وكذلك شوغيل كوكالا ميغا رئيس الوزراء السابق الذي تمت إقالته مؤخرا بسبب خلافات داخلية، وموسى مارا رئيس الوزراء الأسبق الذي يشن منذ سنوات حملة ضد تأجيل الانتخابات، هذه كلها تجعل المتتبع للوضع بمالي  يتساءل عن حقيقة المحاولة الإنقلابية، أم أن العملية مسألة “تطهير” استباقية من قبل غويتا ورفاقه لتصفية الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي والعسكري بدولة مالي.
لكن اللمحللون والمتابعين للوضع بدول الساحل يربطون هذه الأحداث بالصراع  الدولي المحتدم بمنطقة الساحل، على إهتبار أن مالي ظلت لعقود حليفاً تقليدياً لفرنسا، لتتحول سنة 2021  تحولاً جذرياً في تحالفاتها مع روسيا، مجسدة ذلك في  تعاونها العسكري المتنامي مع مجموعة فاغنر والفيلق الأفريقي حديثاً. في المقابل، إهامات باماكو لفرنسا بالوقوف خلف المحاولة الإنقلابية عبر مواطن فرنسي المعتقل الأمر الذي يعيد إلى الأذهان أساليب الحرب الباردة، و يكشف عن عمق أزمة في العلاقات بين البلدين.
كما يتوقع المحللون أن تشهد مالي حملة تصفية واسعة بمؤسسة الجيش الجناح الموالي للغرب ما قد يصل إلى الإنتقامات السياسية التي  ستهم متابعة شخصيات مدنية بارزة، أما المفارقة الأكثر إيلاماً فهي أن الطرفين الدوليين المتصارعين، روسيا وفرنسا اللذين يقدمان نفسيهما كحلفاء لمالي، سيغذيان لا محالة بشكل مباشر أو غير مباشر أسباب عدم الإستقرار في دولة مالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من القرصنة