زلزال لم يفرق بين تركيا وسوريا لماذا تفرقون بينهما؟
بقلم عبد الهادي مزراري
مجرد نظرة إلى ما يحدث عقب الزلزال، الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، الإثنين الماضي، وخلف آلاف القتلى والمفقودين والمصابين، فضلا عن الدمار الشامل لمدن وقرى بأسرها، تتأكد سياسة الكيل بمكيالين التي تنهجها حكومات الدول وحتى المنظمات غير الحكومية في التعامل مع الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، التي تصيب الشعوب.
في الوقت الذي جرى فتج جسور جوية لإمداد تركيا بالمساعدات من دول عربية وعالمية، ظل السوريون يصرخون بأعلى أصواتهم “ما لنا حدا غيرك أنت يا الله”.
يعبر هذا النداء الموجه إلى الله تعالى عن انقطاع كل الاسباب في الارض لمساعدة المنكوبين السوريين، بينما فرق الانقاذ تصل تباعا من مختلف دول العالم الى الجنوب التركي. ولم يجد الأمين العام للامم المتحدة انتونيو غوتيريش من علة بعدم إيصال المساعدات إلى السوريين سوى قوله “بسبب تضرر المعبر الوحيد بين شمال سوريا وجنوب تركيا وتعرض الطريق للدمار جراء الزلزال يصعب الوصول إلى المناطق السورية المنكوبة”.
إن تصريح الأمين العام للأمن المتحدة أكثر مما هو صك تبرئة الذمة، هو إثبات إدانة، وليته صمت ولم يقل شيئا، فالمساعدات الدولية في حال النكبات الطبيعية وغير الطبيعية توزع بقرارات سياسية، وقد شهد العالم كيف تعامل الاوروبيون مع اللاجئين الأوكرانيين العام الماضي، وكيف كان تعاملهم مع اللاجئين السوريين وغيرهم من النازحين من جنوب الكرة الأرضية.
اليوم، عندما ضرب الزلزال جنوب تركيا وشمال سوريا لم يفرق بين البلدين، ولم يعترف بالحدود السياسية، فيما ذهبت الدول والحكومات إلى عرض مساعداتها على انقرة متجاهلة دمشق، في مشهد يحاكي الفرق بين جنازة غني وجنازة فقير، وعلى قول الإمام الشافعي رحمه الله
رأيت الناس قد مالوا ، إلى من عنده مـــالٌ
ومن لا عنده مـــــالُ ، فعنه الناس قد مـالوا
يعلل البعض هذا السلوك اللاخلاقي وغير الإنساني بحجة “أن الشمال السوري يقع تحت سيطرة المعارضة، كما أن مدنا اخرى ضربها الزلزال تقع تحت سيطرة قوة النظام، وفي كلتا الحالتين لا توجد علاقات مع الحكومة السورية وأن ثمة عقوبات مفروضة على البلاد، وليس هناك حالة استقرار”.
عجيب أمر اصحاب هذا التبرير، فيما كانت الأسلحة تصل إلى المقاتلين في سوريا من تركيا والعراق والاردن وإيران ولبنان، ولم يتوان اي طرف إقليمي أو دولي عن دعم القتال في هذا البلد، كيف يقولون اليوم يصعب إيصال مساعدات وكان سهلا عليهم إيصال الأسلحة والمقاتلين الأجانب؟
إذا كان للدول الغربية موقفها من نظام الحكم في سوريا، بسبب تحالف كل من إيران وروسيا مع الرئيس السوري بشار الأسد، فمن دواعي الأسف الشديد أن نرى قيادات عربية وإسلامية تغازل تركيا وتتجاهل سوريا في هذا المصاب الجلل، فالمأساة واحدة والضحايا أبرياء من الجانبين، ولا يجب التفرقة بين ضحايا تحت الأنقاض لم تعد لهم جنسية ولا صفة ولا مسكن ولا بلد.
في خضم هذه المأساة، وما يعاب على العرب والمسلمين نشرت الصحافة الإسرائيلية خبر إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عرض مساعدات على الحكومة السورية لم يصدر عنها أي رد من الجانب السوري.
طبعا لن يكون هناك رد سوري بسبب موقف دمش من إسرائيل، ولكن المبادرة الإسرائيلية بغض النظر عن تقييمها من حيث الأهداف والنوايا، تثير السؤال بشأن ابتلاع أطراف عربية وإسلامية ألسنتها حتى من باب المجاملة أو المجادلة، وترك كل الخلافات جانبا من أجل أرواح وجثث.
اتمنى صادقا ان يحرك هذا الزلزال، الذي قلب عالي الأرض على سافلها ضمير بعض الحكام العرب والمسلمين لأن يهتدوا إلى ترك خلافاتهم جانبا ويفكروا في اوضاع الشعوب التي تطوق اعناقهم أمانات أمام الله والتاريخ والناس.





